بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
أي أنتم هؤلاء الحاضرون المشاهدون تخالفون ما أخذه اللّه عليكم في التوراة ، وأصل المظاهرة المعاونة مشتقة من الظهر ، لأن بعضهم يقوي بعضا فيكون له كالظهر ، ومنه قوله تعالى :
وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً
[ الفرقان : 55 ] وقوله :
وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ
[ التحريم : 4 ] والمعنى تتعاونون عليهم بالمعصية والظلم ، والإثم في الأصل الذنب وجمعه آثام ويطلق على الفعل الذي يستحق به صاحبه الذم واللوم ، وقيل هو ما تنفر منه النفس ولا يطمئن إليه القلب ، والآية تحتمل ما ذكرنا وتحتمل أن يتجوز به عما يوجب الإثم إقامة للسبب مقام المسبب ، والعدوان التجاوز في الظلم وهو مصدر كالكفران والغفران ، والمشهور ضم فائه وفيه لغة بالكسر .
وَإِنْ يَأْتُوكُمْ
أي الفريق الذي تخرجونه من دياره وقت الحرب حال كونه
أُسارى
جميع أسير وهو من يؤخذ قهرا ، فعيل بمعنى مفعول ، أو جمع أسرى وهو جمع أسير كجرحى وجريح ، وبه قرأ حمزة ، قال أبو حاتم ولا يجوز أسارى ، وقال الزجاج يقال أسارى كما يقال سكارى ، قال ابن فارس يقال في جمع أسير أسرى وأسارى انتهى ، فالعجب من أبي حاتم حيث ينكر ما ثبت في التنزيل وقرأ به الجمهور ، والأسير مشتق من السير وهو القد الذي يشد به المحمل فسمي أسيرا ، لأنه يشد وثاقه ثم سمي كل أخيذ أسيرا وإن لم يشد
تُفادُوهُمْ
أي بالمال وهو استنقاذهم بالشراء وقيل تبادلوهم وهو مفاداة الأسير ، والفداء هو ما يؤخذ من الأسير ليفك به أسره ، يقال فداه وفأداه أعطى فداءه وأنقذه
وَهُوَ
ضمير الشأن ويسمى ضمير القصة ولا يرجع إلا على ما بعده وفائدته الدلالة على تعظيم المخبر عنه وتفخيمه
مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ
قال المفسرون كان اللّه سبحانه قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة أربعة عهود : ترك القتل وترك الإخراج وترك المظاهرة وفداء أسراهم فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء فوبخهم اللّه على ذلك بقوله :
أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ
أي إن وجدتموهم في يد غيركم فديتموهم وأنتم تقتلونهم بأيديكم فكان إيمانهم الفداء وكفرهم قتل بعضهم بعضا فذمهم على مناقضة أفعالهم لأنهم أتوا ببعض ما يوجب عليهم وتركوا البعض ، وهذا هو مناط التوبيخ حسب ما يفيده ترتيب النظم الكريم لأن من قضية الإيمان ببعضه الإيمان بالباقي لكون الكل من عند اللّه داخلا في الميثاق
فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ
يا معشر اليهود
إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا .
الخزي الهوان والعذاب ، وقد وقع هذا الجزاء الذي وعد اللّه به الملاعين اليهود موفرا فصاروا في خزي عظيم بما ألصق بهم من الذل والمهانة بالأسر والقتل وضرب الجزية والجلاء ، فكان خزي بني قريظة القتل والسبي ، وخزي بني النضير الإجلاء والنفي من منازلهم إلى أريحا وأذرعات من أرض الشام .