وقيل : وجه الشبه في الآية اختلافهم إلى جهات مختلفة ، وتشبيههم في الآية الأخرى بالجراد المنتشر في الكثرة « 1 » .
ثمّ إنّه تعالى بعد بيان تفرّق الناس في وجه الأرض ، بيّن سبحانه سعة وجه الأرض بقوله :
وَتَكُونُ
في ذلك اليوم
الْجِبالُ
التي على وجه الأرض
كَالْعِهْنِ
والصّوف المتلوّن بالألوان المختلفة
الْمَنْفُوشِ
والمتفرّقة « 2 » أجزاؤه بالنّدف ، والمنشور بالإصبع أو آلة أخرى ، وفيه تنبيه على أنّ حال الجبال الرواسي إذا كان كذلك عند القارعة ، فكيف يكون حال الانسان الضعيف !
[ سورة القارعة ( 101 ) : الآيات 6 إلى 11 ]
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ( 6 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ( 8 ) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ( 9 ) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ ( 10 )
نارٌ حامِيَةٌ ( 11 )
ثمّ بيّن سبحانه اختلاف الناس في مقدار الأعمال الحسنة حيث إنّها توزن في ذلك اليوم بالميزان بقوله :
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ
وأعماله الموزونة ، أو كفّة ميزان أعماله الحسنة حين توضع فيها بعد تجسّمها ، أو توضع صحيفتها فيها
فَهُوَ
سبب رجحان أعماله الحسنة على أعماله السيئة مستقرّ
فِي عِيشَةٍ
وحياة
راضِيَةٍ
محبوبة . قيل : يعني ذات رضا ، يرضى بها صاحبها « 3 » .
وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ
في ذلك اليوم
مَوازِينُهُ
لقلّة حسناته وكثرة سيئاته
فَأُمُّهُ
التي يأوي إليها كالولد هي
هاوِيَةٌ
وجهنّم يهوى فيها . وقيل : يعني امّ رأسه هاوية في النار ، فانّ أهل النار يهوون فيها على رؤوسهم « 4 » . وقيل : إنّ أمه هاوية كناية عن الهلاكة ، فانّ العرب إذا دعوا على رجل بالهلاك قالوا : هوت أمّه ، لأنّ الهالك تهوي امّه حزنا وثكلا « 5 » .
ثمّ عظّم سبحانه الهاوية أو الداهية التي دلّ عليها قوله :
فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ
بقوله :
وَما أَدْراكَ
يا محمد
ما هِيَهْ
وما حقيقتها ؟ ثمّ أعلمه بقوله :
نارٌ حامِيَةٌ
أشدّ الحرارة بحيث تكون سائر النيران بالنسبة إليها باردة ، نعوذ اللّه منها .
عن الباقر عليه السّلام : « من قرأ وأكثر من قراءة القارعة ، آمنه اللّه من فتنة الدجّال أن يؤمن به ومن قيح « 6 » جهنّم يوم القيامة » « 7 » قد تم تفسيرها بتوفيق اللّه تعالى ومنه .
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 10 : 499 .
( 2 ) . في النسخة : والمتفرق .
( 3 ) . تفسير الرازي 32 : 73 ، تفسير روح البيان 10 : 500 .
( 4 و 5 ) . تفسير الرازي 32 : 74 ، تفسير روح البيان 10 : 500 .
( 6 ) . في ثواب الأعمال ، وتفسير الصافي : فيح ، والفيح : سطوح الحرّ وفورانه .
( 7 ) . ثواب الأعمال : 125 ، مجمع البيان 10 : 806 ، تفسير الصافي 5 : 367 .