أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدّقت فأمضيت ؟ » « 1 » .
وفي التعبير عن ورود القبر بالزيارة إشعار بالخروج منه إلى الحشر وموقف الحساب ، حيث إنّ الزائر منصرف ومفارق لا مقيم ، وإنّما لم يذكر سبحانه الملهى عنه ليذهب ذهن السامع كلّ مذهب ، فيحتمل جميع ما فيه السعادة الأبدية والخيرات الأخروية وما فضّل به [ من ] المقامات العالية والدرجات الرفيعة .
[ سورة التكاثر ( 102 ) : الآيات 3 إلى 6 ]
كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 4 ) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ( 5 ) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( 6 )
ثمّ ردّ سبحانه المتكاثرين عمّا هم فيه من التكاثر بقوله :
كَلَّا
ليس الأمر كما تتوهّمون من أنّ السعادة بكثرة العدد أو المال والأولاد
سَوْفَ تَعْلَمُونَ
خطأكم ، وعن قريب تطّلعون على ضلالتكم ، وذلك العلم والاطّلاع حين خروج روحكم من أبدانكم ، حيث إنّكم حينئذ ترون وحدتكم وعدم نفع الأقرباء والأموال لكم وشدائد الأهوال قدّامكم ، أو حين دخولكم في القبور ، حيث إنّكم تعذّبون فيها ولا ناصر لكم .
في الحديث : يسلّط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنّينا تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة ، لو أن تنّينا منها نفخ في الأرض ما أنبتت خضراء » « 2 » .
وعن الصادق عليه السّلام : « لو دخلتم قبوركم » « 3 » .
ثمّ أكّد سبحانه التهديد بقوله :
ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
وفي لفظ
ثُمَّ
دلالة على أنّ الإنذار الثاني أبلغ من الأول ، لأنّ فيه تنزيلا لبعد المرتبة منزلة بعد الزمان .
وقيل : إنّ التهديد الأول بعذاب القبر ، والثاني بأهوال القيامة ، كما روي عن ذرّ أنه قال : ما زلنا نشكّ في عذاب القبر حتّى سمعت عليا عليه السّلام يقول :
« كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
أي سوف تعلمون في القبر ، ثمّ في القيامة » « 4 » .
وقيل : إنّ الأول عند الموت حين يقال له : لا بشرى ، والثاني في سؤال القبر ، من ربّك ، ومن نبيك ، وما دينك ؟ « 5 »
هامش
( 1 ) . مجمع البيان 10 : 812 ، تفسير الصافي 5 : 368 ، تفسير الرازي 32 : 77 ، تفسير روح البيان 10 : 502 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 10 : 503 .
( 3 ) . روضة الواعظين : 493 ، عن النبي صلّى اللّه عليه وآله ، تفسير الصافي 5 : 369 ، لم ينسبه إلى أحد .
( 4 ) . تفسير الرازي 32 : 78 ، تفسير روح البيان 10 : 503 .
( 5 ) . تفسير الرازي 32 : 78 ، تفسير روح البيان 10 : 503 .