لها فأبى ، وروى لها أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله قال : « إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة » « 1 » .
أقول : ليت شعري كيف يمكن أن يخفي الرسول صلّى اللّه عليه وآله هذا الحكم عن ابنته فاطمة المعصومة التي أذهب اللّه عنها الرجس وطهّرها تطهيرا ، مع أنّه متعلّق بها ، حتى تطلب ما ليس لها فيه حقّ ، وتفتضح بين الأصحاب بجهلها بتكليف نفسها ، وتتوّقع ملكا يحرم عليها تصرّفها فيه ، وعن علي بن أبي طالب عليه السّلام الذي هو عيبة علمه ، وباب حكمته ، وعن سائر الصحابة الذين هم شعاره ودثاره وأسرّه إلى أبي بكر مع كونه جاهلا بأغلب الأحكام ؟ ! وأيّ عاقل يحتمل مع ذلك صدق هذه الرواية ؟
ثمّ إنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله أمر بالغنائم التي غنمت قبل الصّلح فجمعت ، وأصاب منها سبايا منها صفية بنت حيي بن أخطب ، من سبط هارون أخي موسى بن عمران ، فأسلمت ثمّ أعتقها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، ثمّ تزوّجها ، وكانت رأت في المنام أنّ القمر وقع في حجرها ، فعبّرت بذلك ، ونهي النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عن إتيان الحبالى وعن غير الحبالى حتى تستبرئ بحيضة .
[ سورة الفتح ( 48 ) : الآيات 21 إلى 23 ]
وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ( 21 ) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 22 ) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ( 23 )
ثمّ وعد سبحانه المسلمين بغنائم غير تلك الغنيمة بقوله :
وَأُخْرى
من الغنائم وغير ما ذكرنا
لَمْ تَقْدِرُوا
في حال كفركم ، أو قبل فتح مكة
عَلَيْها
ولكن
قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها
وقدر عليها أو حفظها لكم ، وهي كما عن ابن عباس غنائم قسطنطينية ورومية وعمورية ومدائن فارس والروم والشام « 2 » .
وإنّما لم يقيّد غنائم العرب بعدم قدرتهم عليها ؛ لأنّ الغلبة والغارة على العرب كانت عادتهم القديمة ، ولم تكن منهم ببعيد ، وأما الاغتنام من الروم وفارس فكان في غاية البعد منهم ؛ لأنّ العرب كانت في ذلك الزمان من أذلّ الطوائف وأضعفهم على وجه الأرض ، وكان كلّ من الروم والفرس في غاية القوة والشوكة ، وكانت غلبة العرب عليهم من المحالات العادية « 3 » ، ولذا وصف سبحانه الغنيمة
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 37 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 41 .
( 3 ) . هذا الاستنتاج غير صحيح ، لأنه يقوم على تعليق عدم القدرة في زمان الجاهلية ، وليس هو مراد الآية باتفاق أغلب المفسرين الذين قالوا : إنّ المراد بالغنائم التي لم يقدروا عليها ، هي غنائم هوازن ، فانّهم لم يقدروا عليها إلى عام الحديبية ، وإنّما قدروا عليها عقيب فتح مكّة . كالرازي في تفسيره 28 : 97 ، وأبي السعود في تفسيره 8 : 110 ، والبروسوي في روح البيان 9 : 40 ، والزمخشري في الكشاف 4 : 341 وغيرهم .