تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 611

مساهمون:

ص٦١١
ثمّ أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن يسلكوا طريقا يخرجهم على مهبط الحديبية من أسفل مكّة ، فسلكوا ذلك الطريق ، فلمّا نزلوا بالحديبية نزح « 1 » ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة ماء ، فشكا الناس إلى رسول اللّه العطش ، وكان الحرّ شديدا ، فأخرج صلّى اللّه عليه وآله سهما من كنانته ، ودفعه إلى البراء بن عازب ، وأمره أن يغرزه في جوف البئر « 2 » - وقيل : تمضمض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ثمّ مجّه في البئر - فجاش الماء حتى امتلأت البئر ، فشربوا جميعا ، وروت إبلهم ، ولم ينفد ماؤها « 3 » . وقيل : لمّا ارتحلوا من الحديبية أخذ البراء السّهم من البئر ، فخفضت كأن لم يكن فيها ماء . فلمّا أطمأن صلّى اللّه عليه وآله بالحديبية ، جاءه بديل بن ورقاء ، وكان سيد قومه ، فسأله ما الذي جاء به ؟ فأخبره أنّه لم يأت يريد حربا ، إنّما جاء زائرا للبيت ، فلمّا رجع إلى قريش وأخبرهم بما قال النبي صلّى اللّه عليه وآله لم يطمئنوا بقوله ، ثمّ أرسلوا الحليس بن علقمة ، وكان سيد الأحابيش ، فلم يعتمدوا عليه أيضا ، فأرسلوا عروة بن مسعود الثقفي عظيم الطائف ، فلمّا قام بالخبر من عنده صلّى اللّه عليه وآله ، وقد رأى ما يصنع به أصحابه ، لا يغسل يديه إلّا ابتدروا وضوءه ، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ، ولا يسقط من شعره شيء إلّا أخذوه ، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده ، ولا يحدّون النظر إليه تعظيما له . فقال : يا معشر قريش ، إنّي جئت كسرى في ملكه ، وقيصر في ملكه ، والنجاشي في ملكه ، ما رأيت ملكا في قوم قطّ مثل محمد في أصحابه ، أخاف أن لا تنصروا عليه . فقالت له قريش : لا تتكلّم بهذا يا أبا يعفور ، لكن نردّه عامنا هذا ، أو يرجع من قابل . فقال : ما أراكم إلا سيصيبكم قارعة ، ثمّ انصرف هو ومن معه إلى الطائف . ثمّ دعا صلّى اللّه عليه وآله خراش بن أمية الخزاعي ، فبعثه إلى قريش ، وحمله على بعير له ، يقال له الثعلب ، ليبلّغ اشرافهم عنه ما جاء له ، فعقروا جمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وأرادوا قتل خراش ، فمنعه الأحابيش ، فخلّوا سبيله حتى أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأخبره بما لقي . ثمّ دعا عمر بن الخطاب ، وأمره أن يبلّغ أشراف قريش ما جاء له ، فقال : يا رسول اللّه ، إنّي أخاف قريشا على نفسي ، وما بمكّة من بني عديّ بن كعب أحد يمنعني ، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ، ولكن أدلّك على رجل أعزّ بها منّي ؛ عثمان بن عفان ، فانّ بني عمّه يمنعونه . فدعا عثمان ، فبعثه إلى أشراف قريش ، وأمره أن يأتي رجالا مسلمين بمكّة ونساء مسلمات ، ويدخل عليهم ويخبرهم أنّ اللّه قرب أن يظهر دينه بمكّة حتى لا يستخفى فيها بالايمان ، فخرج
هامش
( 1 ) . يقال : نزح البئر : قل ماؤها أو نفد . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 3 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 9 : 4 .