الفتح وأخذ المفتاح قال : « هذا الذي قلت لكم » « 1 » .
أقول : يعلم من تلك الرواية حال عمر وحال كثير من الأصحاب وحال بيعتهم هنا من فرار أكثرهم يوم حنين .
قيل : إنّه صلّى اللّه عليه وآله أقام بالحديبية تسعة عشر أو عشرين يوما ، ثمّ انصرف إلى المدينة ، فلمّا بلغ بكراع الغميم « 2 » نزلت عليه سورة الفتح ، قال بعض الصحابة : ما هو بفتح ، لقد صدّونا عن البيت ، وصدّوا هدينا ، فلمّا بلغ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله كلامهم السوء ، قال صلّى اللّه عليه وآله : « بل هو أعظم الفتح ، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالبراح « 3 » عن بلادهم ، وسألوكم الصّلح ، والتجأوا إليكم في الأمان ، ورأوا منكم ما كرهوا ، وظفركم اللّه عليهم ، وردّكم سالمين مأجورين ، فهو أعظم الفتوح ، أنسيتم يوم أحد ، وأنا أدعوكم في اخراكم ؟ أنسيتم يوم الأحزاب ، إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم ؟ وإذ زاغت الأبصار ، وبلغت القلوب الحناجر ، وتظنّون باللّه الظنونا ؟ » .
فقال المسلمون : صدق اللّه ورسوله ، هو أعظم الفتح ، واللّه يا نبي اللّه ما فكّرنا فيما فكّرت فيه ، ولأنت أعلم باللّه وبأمره .
ثمّ أصاب الناس مجاعة شديدة ، وهمّوا أن ينحروا ظهورهم « 4 » ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « ابسطوا أنطاعكم وعباءكم » ففعلوا ثمّ قال : « من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينشره » ثمّ دعا لهم ، ثمّ قال : « قرّبوا أوعيتكم » فأخذوا ما شاءوا ، ملأوا أوعيتهم ، وأكلوا حتى شبعوا ؟ وبقي مثله ، وقال صلّى اللّه عليه وآله لرجل من أصحابه : « هل من وضوء ؟ » « 5 » فجاءه بأداوة فيها ماء قليل ، فأفرغها في قدح ، ووضع راحلته الشريفة في ذلك الماء ، فتوضأ المسلمون كلّهم به « 6 » .
وروى القمي رحمه اللّه عن الصادق عليه السّلام ، قال : « سبب نزول هذه السورة وهذا الفتح العظيم ، أنّ اللّه عزّ وجلّ أمر رسوله في النوم أن يدخل المسجد الحرام ويطوف ، ويحلق مع المحلّقين ، فأخبر أصحابه وأمرهم بالخروج فخرجوا ، فلمّا نزل ذا الحليفة أحرموا بالعمرة وساقوا البدن ، وساق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ستة وستين بدنة ، وأشعرها عند إحرامه ، أحرموا من ذي الحليفة ملبيّن بالعمرة ، وقد ساق من ساق منهم الهدي مشعرات مجلّلات .
فلمّا بلغ قريشا ذلك ، بعثوا خالد بن الوليد في مائتي فارس كمينا ، ليستقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وكان
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 7 .
( 2 ) . كراع الغميم : موضع بناحية الحجاز بين مكة والمدينة .
( 3 ) . البراح : الزوال والمغادرة .
( 4 ) . أي الدوابّ التي يركبونها أو تحمل أثقالهم .
( 5 ) . الوضوء - بالفتح - : الماء .
( 6 ) . تفسير روح البيان 9 : 6 و 7 .