تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 610

مساهمون:

ص٦١٠
فيه قوة الإسلام ورواج شرعه . روت العامة أن النبي صلى الله عليه وآله رأى في المنام أنه مع أصحابه دخلوا مكة آمنين محلقين رؤسهم ومقصرين ، وأنه دخل البيت وأخذ مفتاحه ، وطائف هو وأصحابه واعتمر ، فأخبر بتلك الرؤيا أصحابه ففرحوا ، ثم أخبرهم أنه يريد الخروج للعمرة فتجهزوا للسفر ، فخرج عليه الصلاة [ والسلام ] بعد أن اغتسل في بيته ، ولبس ثوبين ، وركب راحلته القصوى من عند بابه ، ومعه ألف وأربعمائة من المسلمين على روآية ، وأبطأ عليه كثير من أهل البواد خشية من قريش ، وسائق عليه السلام معه الهدي سبعين بدنة « 1 » ، وكان خروجه يوم الاثنين غرة ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة ، فلما وصل إلى ذي الحليفة « 2 » ، وهو ميقات المدنيين ، صلى بالمسجد الذي فيه ركعتين ، وأحرم بالعمرة هو وغالب أصحابه ، ومنهم من أخر الإحرام إلى الجحفة « 3 » ، ثم نفد الماء في الطريق بين أصحابه ، فأقبلوا نحوه ، وكان بين يديه ركوة « 4 » يتوضأ منها ، فقال : « ما لكم ؟ » قالوا : يا رسول الله . ليس عندنا ماء نشرب أو نتوضأ منه إلا في ركوتك . فوضع يده في الركوة ، ففار الماء من أصابعه الشريفة أمثال العيون ، فشربوا وتوضأوا ، وقال جابر : لو كنا مائة ألف لكفانا « 5 » . ثم أرسل صلى الله عليه وآله بشر بن سفيان إلى مكة عينا له ، فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو بعسفان « 6 » ، قال : يا رسول الله ، قد سمعت قريش بخروجك ، فلبسوا النمر - قيل : هو كناية عن إظهار شدة العداوة والحقد له - واستنفروا من أطاعهم من الأحابيش ، ومعهم زادهم ونساؤهم وأولادهم ، ونزلوا بذي طوى « 7 » ، وتعاهدوا على أن لا تدخلها عليهم أبدا . فقال صلى الله عليه وآله : « أشيروا علي - أيها الناس - أتريدون أن نؤم البيت ، فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ » فقال المقداد : يا رسول الله ، إنا لا نقول ما قالت بنو إسرائيل لموسى
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
« 8 » ولكن نقول : اذهب أنت وربّك [ فقاتلا ] إنا معكما مقاتلون . فقال صلّى اللّه عليه وآله « امضوا على اسم اللّه » فساروا . ثمّ قال صلّى اللّه عليه وآله : « هل رجل [ يخرجنا ] من طريق إلى غير طريقهم التي هم بها » فقال رجل من أسلم اسمه ناجية بن جندب : أنا يا رسول اللّه . فسلك بهم طريقا وعرا ، ثمّ أفاضوا إلى أرض سهلة .
هامش
( 1 ) . البدنة : ناقة أو بقرة تنح قربانا بمكّة . ( 2 ) . ذو الحليفة : قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة . ( 3 ) . الجحفة : قرية كبيرة ذات منبر على طريق المدينة من مكة على أربعة مراحل . ( 4 ) . الرّكوة : إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء . ( 5 ) . تفسير روح البيان 9 : 3 . ( 6 ) . عسفان : منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة . ( 7 ) . ذو طوى : موضع عند مكة . ( 8 ) . المائدة : 5 / 24 .