وقيل : إنّ المعنى أمرهم وشأنهم طاعة للّه ولرسوله وقول معروف أن يجيبوا لما أمروا به من الجهاد « 1 » . أو المراد أنّهم يقولون أمرنا طاعة وقول معروف « 2 »
فَإِذا عَزَمَ
الرسول صلّى اللّه عليه وآله أو اللّه
الْأَمْرُ
وجدّ في الجهاد ، خالفوا وقعدوا مع المتخلّفين
فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ
في إخبارهم بايمانهم وطاعتهم أوامره
لَكانَ
الصدق واللّه
خَيْراً لَهُمْ
وأفضل وأنفع من الكذب والنفاق والقعود عن الجهاد .
ثمّ قيل : إنّ المنافقين كانوا يعتذرون بالقتال والجهاد ، ويقولون : كيف والقتل إفساد ، والعرب قبائلنا وأرحامنا « 3 » ، فردّ اللّه سبحانه عليهم بقوله :
فَهَلْ عَسَيْتُمْ
وهل يتوقّع منكم أيّها المنافقون
إِنْ تَوَلَّيْتُمْ
أمور الناس ، وتأمّرتم عليهم ، وصار بيدكم زمام أمورهم
أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ
حرصا على الملك ، وتهالكا على الدنيا .
وقيل : إنّ المراد يتوقّع منكم إن تولّيتم وأعرضتم عن الجهاد ، لكراهة الفساد وقطع الأرحام ، أن تفسدوا في الأرض بالسرقة والغارة ، وتقاتلوا على أدنى شيء ، وتقطعوا أرحامكم ، كما كان عادة العرب في الجاهلية « 4 » .
عن الصادق عليه السّلام : « أنّها نزلت في بني اميّة » « 5 » .
[ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 23 إلى 24 ]
أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ ( 23 ) أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ( 24 )
ثمّ أعرض سبحانه عن مخاطبتهم إظهارا لعدم قابليتهم للمكالمة بقوله :
أُولئِكَ
المعرضون عن طاعة اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وآله هم
الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ
وأطردهم عن ساحة رحمته ، وعن كلّ خير وسعادة
فَأَصَمَّهُمْ
وسلب عنهم قوّة استماع الحقّ ومواعظ اللّه ورسوله
وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ
عمّا يشاهدونه من الآيات الآفاقية والأنفسية على التوحيد والمعجزات الدالّة على صدق الرسول ، ولما كان العمى أقوى في السببية للضلال أطنب فيه تسجيلا له .
وقيل : إنّ البصر آلة الرؤية ، فإذا أصابته آفة حصل العمى بخلاف الاذن ، فانّها ليست آلة للسماع ، لوضوح أنّ قوة السمع لا يذهب بقطع الاذن ، ولذا لم يقل : أصمّ آذانهم ، وقال :
( أَعْمى أَبْصارَهُمْ )
« 6 » .
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 8 : 516 .
( 2 ) . تفسير الرازي 28 : 63 ، تفسير روح البيان 8 : 516 .
( 3 ) . تفسير الرازي 28 : 63 .
( 4 ) . الكشاف 4 : 325 ، تفسير الرازي 28 : 64 .
( 5 ) . تفسير القمي 2 : 308 ، والكافي 8 : 103 / 76 ، وتفسير الصافي 5 : 28 ، عن الإمام علي عليه السّلام .
( 6 ) . تفسير الرازي 28 : 65 .