يوجب الصلاحية للقريب وعدمها للبعيد ، بعد أن لم يكونا بالغين ذلك الحدّ من السنّ ، مع أن الظاهر نيابة الولد الشكر عن الوالدين غير الكافرين ، وأبو بكر كان أبواه كافرين ، ولا ينفع شكر الولد في حقّها ، وعلي عليه السّلام كان أبواه مؤمنين في اعتقادنا .
ثمّ قالوا : وإذا ثبت القول بهذه الصلاحية ، فنقول : ندّعي أنّه هو المراد من هذه الآية ، ويدلّ عليه أنّه تعالى قال في آخر هذه الآية :
أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ
وهذا يدلّ على أنّ المراد من هذه الآية أفضل الخلق ، لأنّ الذي يتقبّل اللّه عنه أحسن أعماله ، ويتجاوز عن سيئاته ، يجب أن يكون أفضل الخلق ، وأجمعت الامّة على أنّ أفضل الخلق بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إمّا أبو بكر وإمّا عليّ ، ولا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية علي بن أبي طالب ، لأنّ هذه الآية إنما تليق بمن أتى بهذه الكلمة عند بلوغ الأشد ، وعند القرب من أربعين سنة ، وعلي بن أبي طالب ما كان كذلك ، انتهى .
أقول : هذا الاستدلال ممّا يضحك به الثكلى ، لوضوح أنّ من تقبّل اللّه أحسن أعماله ، ويجاوز عن سيئاته ، لا يجب أن يكون أفضل الخلق ، فانّ كلّ من يدخل الجنة يكون كذلك ، لأنّه لا يمكن أن لا يتقبّل اللّه أحسن الأعمال ، ولا يمكن أن يدخل الجنة من له ذنب غير مغفور ، ثمّ لا شبهة أنّ عليا عليه السّلام كان أفضل الخلق بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ولا ينكره إلّا من كان له عناد وعصبية ، ولا في أنّ الآية إنّما تليق بمن أتى بهذه الكلمة بعد بلوغ أربعين سنة ، لا عند القرب منه .
وإنّما الغرض من نقل كلامهم بطوله الذي لا ينبغي التفوّه به من عاقل ، فضلا من عالم وفاضل ، وضوح أنّ القول بنزول الآية في حقّ أبي بكر لا مستند له إلّا الاجتهاد الفاسد ، المبني على حبّ ترويج الباطل ، وإطفاء نور الحقّ ، واللّه متمّ نوره ولو كره المشركون .
ذكر فضيلة الحسين عليه السّلام
وعن الصادق عليه السّلام قال : « لمّا حملت فاطمة عليها السّلام بالحسين عليه السّلام ، جاء جبرئيل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقال : إنّ فاطمة ستلد غلاما تقتله امّتك من بعدك ، فلمّا حملت فاطمة بالحسين عليهما السّلام كرهت حمله ، وحين وضعته كرهت وضعه ، ثمّ قال : « لم تر امّ تلد غلاما تكرهه ، ولكنّها كرهته لمّا علمت أنّه سيقتل » قال : « وفيه نزلت هذه الآية » « 1 » .
أقول : لعلّ المراد أنّه لم يكن لهذا الكلي الذي تضمّنته الآية مصداق تامّ المطابقة إلّا الحسين عليه السّلام وفاطمة عليها السّلام .
وفي رواية أخرى ، قال : « ثمّ هبط جبرئيل فقال : يا محمد ، إنّ ربّك يقرئك السّلام ، ويبشّرك بأنّه
هامش
( 1 ) . الكافي 1 : 386 / 3 ، تفسير الصافي 5 : 14 .