للشيطان فيهم نصيبا وسبيلا ، يا رب
إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ
مما فرط منّي من الزلّات والمعاصي قبل أن أدعوك
وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
الذين أخصلوا لك دينهم .
أُولئِكَ
المنعوتون بتلك النعوت الجليلة
الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا
من الطاعات التي كلّها أحسن الأعمال
وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ
وزلّاتهم بأنواعها ، تابوا عنها أو لم يتوبوا ، لكونها مكفورة بأعمالهم الحسنة ، بل مبدّلة بالحسنات حال كونهم
فِي
زمرة
أَصْحابِ الْجَنَّةِ
ومنتظمين في سلكهم في الآخرة ، كلّ ذلك يكون
وَعْدَ الصِّدْقِ
من اللّه لهم
الَّذِي كانُوا
في الدنيا
يُوعَدُونَ
به على ألسنة الرسل .
في نقل كلام مفسري العامة في نزول الآية وردّه
حكى الفخر الرازي عن الواحدي أنّه حكى عن كثير من مفسّري العامة أنّ هذه الآية نزلت في أبي بكر « 1 » ، ثمّ قال قالوا : والدليل عليه أنّ اللّه تعالى قد وقّت الحمل والفصال هاهنا بمقدار يعلم أنّه قد ينقص وقد يزيد عنه بحسب اختلاف الناس في هذه الأحوال ، فوجب أن يكون المقصود شخصا واحدا حتى يقال : إنّ هذا التقدير إخبار عن حاله ، فيمكن أن يكون أبو بكر كان حمله وفصاله هذا المقدار .
أقول : فيما ذكر ما لا يخفى من الوهن ، فانّ ذكر الوقتين لبيان اقلّ الحمل وأكثر مدّة الرّضاع ، ولا يختلف الناس فيهما وفي تعيينهما حكم وأحكام كثيرة مذكورة في محلّه ، ثمّ على تقدير كون المراد شخصا خاصا ، وإمكان كون حمل أبي بكر وفصاله هذا المقدار من المدّة ، لا بوجوب كون المراد منه ذلك الرجل ، لوجود هذا الاحتمال في كثير من الصحابة الخلّصين .
ثمّ قالوا : ثمّ قال اللّه تعالى في صفة ذلك الانسان :
حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي
إلى آخره ، ومعلوم أنّه ليس كلّ إنسان يقول ذلك القول ، فوجب أن يكون المراد إنسانا معينا . قال هذا القول ، وأمّا أبو بكر فقد قال هذا القول في قريب من هذا السنّ ، لأنّه كان أقلّ سنا من النبي صلّى اللّه عليه وآله بسنتين وشيء ، والنبي صلّى اللّه عليه وآله بعث عند الأربعين ، وكان أبو بكر قريبا من الأربعين ، وهو قد صدّق النبي صلّى اللّه عليه وآله وآمن به ، فثبت بما ذكرناه أنّ هذه الآية صالحة لأن يكون المراد منها أبا بكر .
أقول : فيه أنّه قد ذكرنا أنّ المراد بيان حال الانسان الذي أخذ بوصية اللّه في حقّ الوالدين في تمام عمره بالبّر والإحسان ، ورأى النّعم التي على والديه نعما على نفسه ، وناب عنهما في الشكر عند اكمال أربعين سنة وكمال قوّة عقله ، وليس المراد بيان حال شخص معين ، كما أنّ الآية التي فيها بيان حال الولد العاقّ لوالديه ليس المراد منها شخصا معينا ، مع أنّ أبا بكر لم يكن له وقت إيمانه أربعين سنة باعترافهم ، كما أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام أيضا لم يكن له ذلك السنّ وقت إيمانه ، والقرب والبعد لا
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 18 : 21 ، أسباب النزول : 213 .