الحاضرين عندهم ، لو كان خيرا ما سبقنا إليه أولئك الفقراء الغائبون « 1 » .
قيل : إنّ هذا كلام كفّار مكّة « 2 » ، وقيل : لمّا أسلمت جهنية ومزنية وغفّار وأسلم ، قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع : لو كان خيرا ما سبقنا إليه رعاء إليهم « 3 » .
وقيل : إنّ أمّة لعمر أسلمت ، وكان عمر يضربها حتى يفتر ، ويقول : لولا إنّي فترت لزدتك ضربا ، فكان كفّار قريش يقولون : لو كان ما يدعو إليه محمد حقّا ، ما سبقنا إليه أمة عمر « 4 » .
وقيل : لمّا أسلم عبد اللّه بن سلام قالت اليهود ذلك « 5 » .
ثمّ ردّهم بقوله :
وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا
بالقرآن ، كما اهتدى به المؤمنون ، ولم يرشدوا إلى الحقّ
بِهِ
لعدم تدبّرهم فيه ، وعدم وقوفهم على جهات إعجزاه ، ظهر عنادهم وقالوا ما قالوا
فَسَيَقُولُونَ
بعد نفيهم الخير في القرآن :
هذا
القرآن
إِفْكٌ
وكذب
قَدِيمٌ
دائر في ألسنة السابقين .
[ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 12 إلى 14 ]
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ( 12 ) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 13 ) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 14 )
ثمّ ردّ سبحانه تكذيبهم القرآن بقوله :
وَمِنْ قَبْلِهِ
نزل
كِتابُ مُوسى
وهو التوراة حال كونه
إِماماً
يؤتمّ به ، ومقتدى يقتدى به في دين اللّه
وَرَحْمَةً
ونعمة عظيمة من اللّه . لمن آمن به وعمل بأحكامه ، وقد سلّم جميع أهل الكتاب حقّانيته وصدقه
وَهذا
القرآن الذي يكذّبونه
كِتابُ
عظيم الشأن
مُصَدِّقٌ
لذلك الكتاب الذي جاء به موسى ، ومطابق له ، ولما بين يديه من الكتب السماوية في العلوم والمعارف ، وبيان أحوال المعاد والمواعظ والعبر ، والتزهيد عن الدنيا ، والترغيب إلى الآخرة .
ولمّا كان قوم النبي صلّى اللّه عليه وآله عربا جعل لسانه
لِساناً عَرَبِيًّا
لتفهم العرب ما فيه و
لِيُنْذِرَ
ويخوّف ذلك الكتاب بالوعد بالعذاب
الَّذِينَ ظَلَمُوا
على أنفسهم بالكفر والعصيان
وَ
ليكون
بُشْرى
بالثواب العظيم في الآخرة
لِلْمُحْسِنِينَ
في العقائد والأعمال المطيعين للّه مخلصين .
وحاصل المراد - واللّه أعلم - أنّ الغرض من إنزال الكتاب إنذار العاصين ، وبشارة المطيعين ، فلا
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 28 : 11 .
( 2 ) . الكشاف 4 : 300 ، تفسير الرازي 28 : 11 .
( 3 و 4 ) . الكشاف 4 : 300 ، تفسير الرازي 28 : 11 .
( 5 ) . الكشاف 4 : 300 ، تفسير الرازي 28 : 11 .