ثمّ لمّا بيّن رأفته ورحمته على الناس ، بيّن علّة ابتلائهم بالمصائب بقوله :
وَما أَصابَكُمْ
أيّها الناس ، وإن نزلت بكم
مِنْ مُصِيبَةٍ
وبلية ، كالفقر والمرض وغيرهما
فَبِما كَسَبَتْ
وعملت
أَيْدِيكُمْ
وجوارحكم من المعاصي والذنوب ، وإنّما نسب الكسب إلى اليد ، لكون غالب الأعمال بها .
روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « لا يصيب بن آدم خدش عود إلّا بذنب » « 1 » .
وَيَعْفُوا
اللّه
عَنْ كَثِيرٍ
من الذنوب . عن الصادق عليه السّلام : « ليس من التواء عرق ولا نكبة حجر « 2 » ولا عثرة قدم ولا خدش عود إلّا بذنب ، وأمّا ما يعفو اللّه أكثر ممّا عجلّ اللّه عقوبته في الدنيا ، فانّ اللّه أجل وأكرم وأعظم من أن يعود في عقوبته في الآخرة » « 3 » .
وعنه عليه السّلام أنّه سئل : أرأيت ما أصاب عليا وأهل بيته من بعده ، أهو بما كسبت أيديهم وهم أهل بيت طهارة معصومون ؟ فقال : « إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان يتوب إلى اللّه ويستغفره في كلّ يوم مائة مرة من غير دنب ، وإنّ اللّه تعالى يخصّ أولياءه بالمصائب ليأجرهم من غير ذنب » « 4 » .
وعن ( المجمع ) عن علي عليه السّلام : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : خير آية في كتاب اللّه هذه الآية . يا علي ، ما من خدش عود ولا نكبة قدم إلّا بذنب ، وما عفاه اللّه عنه في الدنيا أكثر ، فهو أكرم من أن يعود فيه ، وما عاقب عليه في الدنيا فهو أعدل من أن يثنّي على عبده » « 5 » .
ثمّ اعلم أنّ الخطاب للمكلّفين ، فلا يشمل البهائم والأطفال والمجانين ، نعم قد تكون مصائبهم [ في ] مالكي البهائم ووالدي الأطفال والمجانين وأقاربهم ، فتكون كفّارة لذنوبهم
وَما أَنْتُمْ
أيّها العصاة
بِمُعْجِزِينَ
اللّه
فِي الْأَرْضِ
وفائتين منه بالهرب ، إن أراد ابتلاءكم وعقوبتكم بذنوبكم
وَما لَكُمْ
في العالم
مِنْ دُونِ اللَّهِ
وممّا سواه
مِنْ وَلِيٍّ
يدفع عنكم العقوبة بالموالاة
وَلا نَصِيرٍ
ومعين يدفعها عنكم بالقوة .
[ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 32 إلى 35 ]
وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ( 32 ) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 33 ) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ( 34 ) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ( 35 )
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 27 : 172 .
( 2 ) . نكبت الحجارة رجله : لثمتها وأدمتها .
( 3 ) . الكافي 2 : 323 / 6 ، تفسير الصافي 4 : 377 .
( 4 ) . تفسير القمي 2 : 277 ، الكافي 2 : 326 / 2 ، تفسير الصافي 4 : 377 .
( 5 ) . مجمع البيان 9 : 47 ، تفسير الصافي 4 : 377 .