تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، قال : « إذا غضبت وكنت قائما فاقعد ، وإن كنت قاعدا فقم ، واستعذ باللّه من الشيطان » « 1 » . ثمّ لما مدح سبحانه الدعوة إلى اللّه وإلى توحيده ، شرع في بيان أدلّة توحيده وقدرته وحكمته بقوله :
وَمِنْ
أدلّة توحيده و
آياتِهِ
الدالّة على قدرته وحكمته
اللَّيْلُ وَالنَّهارُ
وتعاقبهما ، وقد مرّ نكتة تقديم الليل . ثمّ لمّا كان جمع من المشركين عبدة الشمس والقمر ، ذكرهما لمناسبة الليل والنهار بقوله :
وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
دائبان بأمره ، ثمّ نهى عن عبادتهما بقوله تعالى :
لا تَسْجُدُوا
أيّها الناس
لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ
لأنّهما حادثان مربوبان مسخّران تحت أمر خالقهما
وَاسْجُدُوا لِلَّهِ
القادر
الَّذِي خَلَقَهُنَّ
بقدرته لنظام العالم
إِنْ كُنْتُمْ
بالسجود لهما للّه تسجدون و
إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
فانّ السجود خضوع خاصّ بمقام الربوبية والألوهية ، لا يجوز لغير اللّه . قيل : إنّ الصابئين كانوا يسجدون للنّيّرين « 2 » ويقولون : إنّا نسجد لها ، ونقصد به السجود للّه ، فنهوا عن عبادته بتلك الواسطة « 3 » . أقول : يمكن أن يقال : علّة سجودهم للنّيّران « 4 » أوّل ابتداعه ذلك ، إلّا أنّه انتهى الأمر إلى الاعتقاد بخالقيتهما .

[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 38 إلى 39 ]

فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ( 38 ) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 ) ثمّ لمّا كان السجود لهما بهذا الاعتقاد من باب الاشتباه في المصداق ، حيث إنّهم كانوا يعتقدون أنّ مصداق الخالق هو الشمس مثلا ، والحال أنّه هو اللّه ، ففي الحقيقة كان سجودهم للّه ، فيكون المراد إن كنتم تعبدون الخالق الذي هو اللّه في الواقع ، لا تسجدوا للشمس ، بل اسجدوا للّه الذي هو تكوّن الشمس من مخلوقاته
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا
وتعظّموا عن عبادة اللّه الذي تقول بألوهيته ، فانّه غنيّ عن عبادتهم وسجودهم له
فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ
من الملائكة المقرّبين يعبدونه دائما و
يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ
وينزّهونه عن الشريك
وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ
ولا يملّون عن عبادته وتسبيحه .
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 8 : 265 . ( 2 ) . النّيّرين : الشمس والقمر . ( 3 ) . تفسير روح البيان 8 : 266 . ( 4 ) . في النسخة : لينروان .