تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
ثمّ بيّن سبحانه رفعة شأن المستدليّن بالآيات ، والمتفكّرين فيها ، وعدم تساويهم مع الجهّال المقلّدين بقوله :
وَما يَسْتَوِي
الكافر الذي هو
الْأَعْمى
قلبه عن رؤية الآيات
وَالْبَصِيرُ
الذي يراها بعين قلبه ، ويتفكّر فيها
وَ
كذا
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الأعمال
الصَّالِحاتِ
وبادروا إلى الحسنات
وَلَا الْمُسِيءُ
في العقائد والأعمال ، وهم الكفّار والعصاة ، فلو لم يكن حشر ومعاد ودار الجزاء ، لزم تساوي الفريقين ، وهو باطل ببديهة العقل ، فأنتم - أيّها الكفار المجادلون - تعلمون عدم التساوي بين العالم والجاهل والمحسن والمسئ ، ولكن
قَلِيلًا ما
ومقدارا يسيرا
تَتَذَكَّرُونَ
وتتنبّهون إلى ما يلزمه من صحّة المعاد ، وإنّما قدّم ذكر المؤمن المحسن على المسئ لمجاورة البصير . وقيل : إنّ المراد أنّ المشركين يعلمون أنّ العلم خير من الجهل ، وأنّ العمل الصالح خير من العمل السيء ، ولكن لا يميّزون بين العلم والجهل ، والعمل الصالح والسيّء فيعتقدون الجهل والتقليد علما ومعرفة ، والحسد والكبر صالحا وطاعة « 1 » . وقيل : إنّ
قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ
في معنى لا يتذكّرون أصلا ، كما يقال : هو قليل الحياء ، والمراد أنّه لا حياء له « 2 » .

[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 59 إلى 60 ]

إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ( 59 ) وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ( 60 ) ثمّ لمّا أثبت سبحانه إمكان المعاد بتوضيح كمال قدرته وسهولته ، أخبر بوقوعه بقوله :
إِنَّ السَّاعَةَ
والقيامة
لَآتِيَةٌ
البتة
لا رَيْبَ
ولا مجال للشك
فِيها
وفي إتيانها ، لوضوح شواهدها ، واتقان براهينها
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
وهم الكفّار المنكرون له
لا يُؤْمِنُونَ
باتيانها ، لقصور أنظارهم ، وشدّة تعصّبهم ، وإلفهم بما اعتقده آباؤهم . ثمّ إنّه تعالى بعد إتيان إمكان المعاد ، والإخبار بوقوعه ، أمر الناس بعبادته المنجية من أهواله بقوله :
وَقالَ رَبُّكُمُ :
أيّها الناس
ادْعُونِي
وحدي لحوائجكم ، واعبدوني خالصا مخلصا لنجاتكم من الشدائد
أَسْتَجِبْ لَكُمْ
ودعاءكم ، واقض حوائجكم ، إما في الدنيا أو في الآخرة ، وانجكم من شدائدهما
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ
ويستنكفون
عَنْ عِبادَتِي
التي منها الدعاء ، ويتعظّمون عن
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 27 : 79 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 8 : 199 .