الدنيا شيئا
مِنَ الْعَذابِ
الذي نحن فيه . فأجابتهم الخزنة و
قالُوا
بعد مدة طويلة - على ما قيل - توبيخا لهم « 1 » :
أَ وَلَمْ تَكُ
قيل : إنّ التقدير ألم تنبّهوا على هذا ، ولم تك « 2 »
تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ
في الدنيا واحدا بعد واحد مستدلّين على صدقهم
بِالْبَيِّناتِ
والحجج الظاهرة فيما أخبروكم من سوء عاقبة الكفر والتكذيب ؟ !
قالُوا
كلّهم :
بَلى
أتونا وأخبرونا فكذّبناهم ، إذن
قالُوا
إقناطا لهم :
إذا كان الأمر كذلك ، فلا ترجوا منّا هذا الدعاء ، لاستحالته علينا
فَادْعُوا
أنتم لأنفسكم ما تريدون
وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ
في حقّ أنفسهم ، أو دعاء غيرهم لهم بتخفيف العذاب أو رفعه عنهم
إِلَّا فِي ضَلالٍ
وضياع ، لأنّه لا يجاب ، لوجوب تعذيبهم على اللّه بمقتضى الحكمة والعدل .
[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 51 إلى 52 ]
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ( 51 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ( 52 )
ثمّ إنّه تعالى بعد بيان عدم إجابته دعاء الكفّار وإعراضه عنهم في الآخرة بيّن لطفه برسله وبالمؤمنين بهم بقوله :
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا
كما نصرنا موسى
وَ
ننصر
الَّذِينَ
اتّبعوهم و
آمَنُوا
بهم
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
ونغلّبهم على أعدائهم بالظّفر بالحجّة والقوة ، ولو في العاقبة .
عن ابن عباس : أنّه لم يقتل من الأنبياء إلّا من لم يؤمر بقتال ، وكلّ من امر بقتال نصر « 3 » .
وَ
ننصرهم
يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ
بإعلاء درجتهم وإكرامهم في مجمع الخلق ، أو المراد يوم إقامة الشهود على تبليغهم ، والعمل بما كان وظيفتهم من الملائكة والنبيين ، كما قال اللّه تعالى :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ
« 4 » إلى آخره .
عن الصادق عليه السّلام : « ذلك في الرجعة ، أمّا علمت أن أنبياء كثيرة لم ينصروا في الدنيا وقتلوا ، وأئمّة من بعدهم قتلوا ولم ينصروا ، وذلك في الرجعة » « 5 » .
ثمّ عرّف سبحانه اليوم بما فيه فرح الرسل والمؤمنين بقوله :
يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ
الذين هم أعداؤهم
مَعْذِرَتُهُمْ
عن كفرهم وطغيانهم على الرسل والمؤمنين ، لعدم قبولها إن اعتذروا ، ولذا لا يعتذرون ، ولا يؤذن لهم فيعتذرون ، وقيل : إنّهم يعتذرون في وقت ، ولا يؤذن لهم في الاعتذار في وقت آخر « 6 »
وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ
والبعد عن الرحمة
وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
وشرّ المقام ، لكونهم أسوأ الناس وشرّ الخلق ، بخلاف المؤمنين فانّهم تقبل معذرتهم عن خطاياهم ، بل تقبّل شفاعتهم ، ولهم الرحمة ،
هامش
( 1 و 2 ) . تفسير روح البيان 8 : 192 .
( 3 ) . تفسير روح البيان 8 : 193 .
( 4 ) . النساء : 4 / 41 .
( 5 ) . تفسير القمي 2 : 259 ، تفسير الصافي 4 : 345 .
( 6 ) . تفسير روح البيان 8 : 193 .