يونس : وفي بني إسرائيل من هو أقوى منّي ، فلم لا تبعثه ؟ فألحّ الملك عليه ، فغضب يونس منه ، وخرج حتّى أتى بحر الروم ، ووجد سفينة مشحونة « 1 » . وذكر قصة الحوت ، قال : كانت رسالته بعد ما نبذه الحوت « 2 » .
أقول : هذا مخالف لرواياتنا .
روي أنّ يونس خرج من العراء ومرّ بجانب نينوى ، فرأى هناك غلاما يرعى ، فقال له : من أنت يا غلام ؟ فقال : من قوم يونس . قال : فإذا رجعت إليهم فاقرأ عليهم منّي السّلام ، وأخبرهم أنّك لقيت يونس ورأيته . فقال الغلام : إن تكن يونس [ فقد ] تعلم أنّ من يحدّث ولم تكن له بينة قتلوه ، وكان في شريعتهم أن من كذّب قتل ، فمن يشهد لي ؟ فقال له يونس : تشهد لك هذه الشجرة وهذه البقعة . فقال الغلام ليونس : مرهما بذلك ؟ فقال : إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له . قالتا : نعم . فرجع الغلام إلى قومه ، فأتى الملك ، فقال : إني لقيت يونس ، وهو يقرأ عليكم السّلام ، فأمر الملك أن يقتل . فقال : إنّ لي بينة . فأرسل معه جماعة ، فانتهوا إلى الشجرة والبقعة . فقال لهما الغلام : أنشدكما اللّه عزّ وجلّ هل أشهدكما يونس ؟ قالتا : نعم . فرجع القوم مذعورين ، فأتو الملك فحدّثوه بما رأوا ، فتناول الملك يد الغلام فأجلسه في منزله ، وقال له : أنت أحقّ مني بهذا المقام والملك ؟ فأقام بهم الغلام أربعين سنة « 3 » .
وعن الباقر عليه السّلام - في رواية - « فانطلق يونس إلى قومه ، فلمّا دنا من نينوى ، استحيى أن يدخل ، فقال لراع لقيه : إئت أهل نينوا فقل لهم : إنّ هذا يونس قد جاء . فقال الراعي : أتكذب ، أما تستحي ويونس قد غرق في البحر وذهب ؟ قال يونس : اللهمّ إنّ هذه الشاة تشهد لك أنّي يونس . وانطقت الشاة له بأنّه يونس ، فلما أتى الراعي وأخبرهم أخذوه وهمّوا بضربه . فقال : إنّ لي بينة أقول . قالوا : فمن يشهد لك ؟ قال : هذه الشاة تشهد . فشهدت بأنّه صادق وأن يونس قد ردّه اللّه إليكم .
فخرجوا يطلبونه ، فوجدوه فجاءوا به
فَآمَنُوا
بيونس بعد رجوعه إليهم وحسن إيمانهم » كما عن الباقر عليه السّلام « 4 » .
وروى بعض العامة أنّ قومه آمنوا فسألوه أن يرجع إليهم فأبى يونس ، لأنّ النبي إذا هاجر لم يرجع إليهم مقيما فيهم « 5 » .
وقيل : إنّ المراد فآمنوا باللّه بعد مشاهدتهم آثار نزول العذاب « 6 » ، وتابوا من الشرك والعصيان
فَمَتَّعْناهُمْ
ونفعناهم بالحياة الدنيا ونعمها
إِلى حِينٍ
قدّرناه لهم ، والوقت الذي جعلناه أجلا
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 26 : 164 .
( 2 ) . تفسير الرازي 26 : 166 .
( 3 ) . تفسير روح البيان 7 : 489 .
( 4 ) . تفسير القمي 1 : 320 ، تفسير الصافي 4 : 285 .
( 5 ) . تفسير روح البيان 7 : 490 .
( 6 ) . تفسير أبي السعود 7 : 206 ، تفسير روح البيان 7 : 489 .