ثمّ أقبل القائل إلى جلسائه وقرنائه في الجنّة بعد الإعراض عن قرينة الذي رآه في النار ، وحاورهم في الخلود في الجنّة سرورا بفضل اللّه ، والتذاذا بتحديث [ جلسائه عن ] نعمه ، فقال لهم :
أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ
قيل : إنّ التقدير أنحن مخلّدون ، فما نحن بميتين ؟ « 1 »
إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى
كانت في الدنيا ، وقبل بعثنا من القبور . وقيل : إنّ الاستثناء منقطع ، والمعنى لكن موتتنا الأولى قد كانت في الدنيا « 2 » .
وقيل : إنّ ( إلّا ) هنا بمعنى بعد وسوى « 3 »
( وَما نَحْنُ )
كالكفّار
بِمُعَذَّبِينَ
أبدا .
عن الباقر عليه السّلام : « إذا دخل أهل الجنّة في الجنّة وأهل النار في النار ، جيء بالموت فيذبح كالكبش بين الجنّة والنّار ، ثمّ يقال : خلود فلا موت أبدا . فيقول أهل الجنّة :
أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ »
« 4 » .
إِنَّ هذا
الخلود في الجنّة ، ودوام النعمة ، والأمن من العذاب ، واللّه
لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
والظّفر بأقصى المطالب ،
وهو السعادة الأبدية التي لا سعادة فوقها و
لِمِثْلِ هذا
المقصد الأعلى
فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ
وليجتهد المجتهدون ، لا للمقاصد الدنيوية السريعة الزوال والانقطاع .
قيل : إنّه من كلام اللّه ترغيبا للناس في طلب ثواب الآخرة « 5 » .
[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 62 إلى 63 ]
أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ( 62 ) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ( 63 )
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان نعم أهل الجنّة ومأكلهم ومشربهم ، ذكر سبحانه مأكول أهل النار ومشروبهم ، بقوله : ( قل ) يا محمد ، لقومك المشركين بعد تلاوة الآيات النازلة عليك في وصف نعم أهل الجنّة :
أنصفوا يا قوم
أَ ذلِكَ
الرزق المعلوم الذي هو فاكهة الجنّة
خَيْرٌ
وأحسن من كونه
نُزُلًا
وتهيئة لورودكم يوم القيامة ، أو خيرا حاصلا مع كون حاصلة اللّذة والسّرور
أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ
التي حاصلها الألم والغمّ .
قيل : إنّ المفسرين لم يذكروا لشجرة الزّقّوم تفسيرا « 6 » .
وقيل : إنّ الزّقّوم اسم شجرة صغيرة الورق مرّة كريهة الرائحة ، تكون بتهامة ، يعرفها المشركون « 7 » .
هامش
( 1 ) . تفسير أبي السعود 7 : 193 ، تفسير روح البيان 7 : 462 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 7 : 463 .
( 3 ) . تفسير روح البيان 7 : 463 .
( 4 ) . تفسير القمي 2 : 223 ، تفسير الصافي 4 : 270 .
( 5 ) . تفسير روح البيان 7 : 463 .
( 6 ) . تفسير الرازي 26 : 141 .
( 7 ) . تفسير روح البيان 7 : 464 .