ثمّ لمّا كان الرزق المقرون بالإهانة غير معتن به عند النفوس الأبية والهمم العالية ، بيّن سبحانه إكرامهم بقوله :
وَهُمْ مُكْرَمُونَ
عند اللّه تبارك وتعالى غاية الإكرام معظّمون نهاية التعظيم .
عن الباقر عليه السّلام ، عن النبي صلّى اللّه عليه وآله - في حديث - « أمّا قوله :
أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ
بأن يعلمه الخدّام فيأتون به أولياء اللّه قبل أن يسألوهم إيّاه ، وأمّا قوله :
فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ
قال : إنّهم لا يشتهون شيئا في الجنّة إلّا أكرموا به » « 1 » .
[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 43 إلى 49 ]
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 43 ) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ( 44 ) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 45 ) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ( 46 ) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ ( 47 )
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ ( 48 ) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ( 49 )
ثمّ أنّه تعالى بعد ذكر مأكولهم وصف كمال مجلسهم ومشروبهم بقوله :
فِي جَنَّاتِ
وبساتين ذوات
النَّعِيمِ
وهم متمكّنون فيها
عَلى سُرُرٍ
حال كونهم
مُتَقابِلِينَ
ومواجهين ، ليفرحوا بحسن حال الأحبّة ورؤيتهم ويتآنسوا « 2 » . روي أنّهم إذا أرادوا القرب سار السرير تحتهم « 3 » ،
ثمّ وصف سبحانه كمال مجلسهم ومشروبهم بقوله :
يُطافُ عَلَيْهِمْ
ويدور الغلمان حولهم
بِكَأْسٍ
وإناء من زجاجة فيه خمر
مِنْ
نهر
مَعِينٍ
وجار على وجه أرض الجنّة ، أو من شراب معين وظاهر للعيون ، أو جار من العيون ،
وتلك الخمرة على خلاف خمور الدنيا
بَيْضاءَ .
قيل : إنّ خمرا منه أشدّ بياضا من اللّبن « 4 » .
ثمّ بالغ سبحانه في بيان لذتها بقوله :
لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ
حيث إنّه تعالى جعلها عين اللّذة بخلاف خمور الدنيا ، فانّها - على ما قيل - لا لذّه لها « 5 »
لا فِيها غَوْلٌ
وصداع ، أو فساد من صداع أو وجع بطن
وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ
ويسكرون . القمي ، قال : لا يطردون عنها « 6 » .
ثمّ وصف سبحانه منكوحهم بقوله :
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ
وحابسات الأبصار عن غير أزواجهن ، بل يكون نظرهنّ إلى أزواجهن ، لحسنهم في نظرهن وعفّتهن ، وهن
عِينٌ
قيل : يعني حسان الأعين وعظامها « 7 »
كَأَنَّهُنَّ
في البياض والنظافة
بَيْضٌ مَكْنُونٌ
ومستور مصون من الغبار .
قيل : شبّههن سبحانه في البياض ببيض النّعام ، لأنّ لونها بياض مخلوط بالصّفرة ، وهو أحسن ألوان
هامش
( 1 ) . الكافي 8 : 100 / 69 ، تفسير الصافي 4 : 268 .
( 2 ) . في النسخة : ويتوانسوا .
( 3 و 4 ) . تفسير الرازي 26 : 137 .
( 5 ) . تفسير روح البيان 7 : 459 .
( 6 ) . تفسير القمي 2 : 222 ، تفسير الصافي 4 : 268 .
( 7 ) . تفسير روح البيان 7 : 461 .