بالربوبية المشعرة بمالكيته وسيادته ، للدلالة على نهاية التعظيم المعجب ، فانّ تسليم المالك المنعم العظيم الشأن على عبده الضعيف من العجائب الدالة على نهاية التعظيم والعطوفة .
[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 59 إلى 61 ]
وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ( 59 ) أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 60 ) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 )
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان كمال حسن المؤمنين وإكرامهم في الآخرة ، بيّن سوء حال الكفار وإهانتهم فيها بقوله :
وَامْتازُوا الْيَوْمَ
وتفرّقوا عن المؤمنين
أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
والعصاة ، وادخلوا مساكنكم التي اعدّت لكم في جهنم .
وقيل : يعني تفرّقوا وتلاشوا من الحسرة والندامة ، لما ترون من رفعة منزلة المؤمنين وحسن حالهم ، أو تفرق بعضكم من بعض على خلاف ما للمؤمنين من الاجتماع مع الأزواج والتزاور بينهم ، وامتازوا وتفرّقوا من شفعائكم وقرنائكم ، فما لكم اليوم من شفيع ولا حميم ، أو امتازوا عمّا ترجون ، واعتزلوا من كلّ خير ، أو امتازوا وتبيّنوا من بين الناس ، فتظهر فيهم سيماء يعرفون بها ، وهو السواد الذي يظهر في وجوهم « 1 » .
أقول : المجرمون الذين يخلدون في النار هم المنكرون للصانع وتوحيده ، والمنكرون للرسالة ، والمنكرون للولاية أو واحد من ضروريات الدين ، كالشفاعة وظهور المهدي عليه السّلام في آخر الزمان .
ثمّ أنّه تعالى بعد أمر المجرمين بالامتياز ، أخذهم بالتقريع والتبكيت بقوله :
أَ لَمْ أَعْهَدْ
ولم أوص في عالم الذّر ، أو في الدنيا بلسان الرسل
إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا
ولا تطيعوا
الشَّيْطانَ
الذي أخرج أبويكم من الجنة ، ولم أقل
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
ومبغض ظاهر البغضاء بحيث لا تخفى عداوته على ذي مسكة ؟ ! وإنّما نسب سبحانه إليهم عبادة الشيطان مع أنّ أحدا لا يعبده ؛ لأنّ عبادة غير اللّه بأمره هي عبادته .
عن الصادق عليه السّلام : « من أطاع رجلا في معصية ، فقد عبده » « 2 » .
وعن الباقر عليه السّلام : « من أصغى إلى ناطق فقد عبده ، فإن كان الناطق يروي « 3 » عن اللّه فقد عبد اللّه تعالى ، وإن كان الناطق يروي عن الشيطان فقد عبد الشيطان » « 4 » .
وَ
ألم أعهد إليكم
أَنِ اعْبُدُونِي
وأخلصوا لي العبادة
هذا
العهد
صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 26 : 95 .
( 2 ) . الكافي 2 : 293 / 8 ، تفسير الصافي 4 : 258 .
( 3 ) . في الكافي : يؤدي ، وكذا التي بعدها .
( 4 ) . الكافي 6 : 434 / 24 ، تفسير الصافي 4 : 258 .