تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
ثمّ نبّه سبحانه على أنّ حكمته البالغة اقتضت إيكال الناس إلى اختيارهم في الكفر والعصيان والايمان والطاعة ، وإلّا كان قادرا على سلب قوى الكفّار وتعجيزهم عن العصيان بقوله تعالى :
وَلَوْ نَشاءُ
بالمشيئة التكوينية طمس أعينهم ومحوها
لَطَمَسْنا
وجعلنا المحو
عَلى أَعْيُنِهِمْ
وسوّينا مكانها بحيث لا يبقى لها ضوء ولا يبدو لها شقّ ولا جفن ، كما ختمنا على قلوبهم ومحونا بصائرهم
فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ
وتبادروا إلى الصراط المستقيم الواسع الذي اعتادوا سلوكه
فَأَنَّى يُبْصِرُونَ
ذلك الطريق ، وكيف يرون موضع أقدامهم منه حتى يمكنهم المشي فيه ؟ وفيه تهديد لمكذّبي الرسول بما فعل بقوم لوط حين كذّبوه وراودوه عن ضيفه . ثمّ بالغ سبحانه في إظهار قدرته وتهديد المشركين بقوله :
وَلَوْ نَشاءُ
مسخهم ومحو صورتهم النوعية
لَمَسَخْناهُمْ
وغيّرنا صورتهم بأن جعلناهم حجرا أو مدرا أو جمادا آخر ، أو مسلوبي القوى
عَلى مَكانَتِهِمْ
ومقامهم وفي محلهم بالفور بحيث لا يكون لهم مجال الانتقال منه
فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا
وذهابا إلى أمامهم وبين أيديهم
وَلا يَرْجِعُونَ
إلى ورائهم وخلفهم ، وفيه إشعار باستحقاقهم تلك العقوبة في الدنيا ، كاستحقاقهم عقوبة الختم في الآخرة ، وإنّما المانع الحكمة المقتضية لإمهالهم ، فلا يشاء ذلك .

[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 68 إلى 70 ]

وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ ( 68 ) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ( 69 ) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ ( 70 ) ثمّ استشهد سبحانه على قدرته على سلب قوتهم بما يرون من سلب قوى المعمّرين بقوله تعالى :
وَمَنْ نُعَمِّرْهُ
ونطيل مدّة حياته في الدنيا
نُنَكِّسْهُ
ونقلبه
فِي الْخَلْقِ
والجسم والقوى الظاهرية والباطنية ، ونجعله بخلاف ما كان عليه في صباوة شبابه ، فلا يزال تتغير جثّته ويتزايد ضعفه ، وتتناقص قواه وبنيته ، ويتغيّر شكله وصورته حتى يعود إلى حالة شبيهة بحال صباوته في ضعف بدنه وقلّة عقله وفهمه
أَ فَلا يَعْقِلُونَ .
قيل : إنّ التقدير أترون ذلك فلا تفهمون أنّ من قدر على ذلك قدر على ما ذكر من الطمس والمسخ ؟ « 1 » ثمّ لما ذكر سبحانه المطالب العالية الراجعة إلى المبدأ والمعاد الدالة على كونها نازلة من اللّه القادر الحكيم ، وكان المشركون يكذّبونها وينسبونها إلى الشعر ويقولون : إنّ محمدا شاعر ، فردّ اللّه عليهم
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 7 : 428 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 278 | الشيخ محمد النهاوندي