فأعماهم عن الهدى » « 1 » .
روي أنّها نزلت في أبي جهل وصاحبيه المخزوميين حيث حلف أبو جهل أنّه يرضخ رأس محمد صلّى اللّه عليه وآله إن رآه في الصلاة ، فرآه يوما « 2 » يصلي ، فأخذ صخرة فرفعها ليرسلها على رأسه ، فالتزقت بيده ، ويده بعنقه ، فرجع خائبا إلى قومه « 3 » ، فنزلت :
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا
إلى آخره ، فقام الوليد بن المغيرة الخزومي ، وقال : أنا أقتله بهذه الصخرة ، فأخذ الصخرة ، فجاء نحو النبي صلّى اللّه عليه وآله ، فلمّا قرب منه عمي بصره ، فكان يسمع صوته ولا يرى شخصه ، فرجع إلى صاحبيه فلم يرهم حتى نادوه فأخبرهم بالحال ، فنزل في حقّه :
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا
إلى آخره .
وعن القمي : أنّها نزلت في أبي جهل بن هشام ونفر من أهل بيته ، وذلك أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله قام يصلّي وقد حلف أبو جهل اللعين : لئن رآه يصلّي ليدمغه ، فجاء ومعه حجر والنبي صلّى اللّه عليه وآله قائم يصلي ، فجعل كلّما رفع الحجر ليرميه ، أثبت اللّه يده إلى عنقه ، ولا يدور الحجر بيده ، فلمّا رجع إلى أصحابه سقط الحجر من يده ، ثمّ قام رجل آخر ، وهو من رهطه أيضا ، فقال : أنا أقتله ، فلمّا دنا منه جعل يسمع قراءة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فارعب ورجع إلى أصحابه ، فقال : بيني وبينه [ كهيئة ] الفحل « 4 » يخطر بذنبه ، فخفت أن أتقدّم « 5 » .
[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 10 إلى 11 ]
وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 10 ) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ( 11 )
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان شدّة امتناعهم عن الانقياد للنبي صلّى اللّه عليه وآله ، وعدم سلوكهم طريق الحقّ ، وعدم رؤيتهم معجزاته ، صرّج بعدم تأثير إنذاره في قلوبهم بقوله :
وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ
ولا يتفاوت في حقّهم
أَ أَنْذَرْتَهُمْ
وخوّفتهم من عذاب اللّه على الشرك وتكذيبهم نبوّتك وكتابك
أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ
ولم تعظهم ، فانّ قلوبهم شرّ القلوب لأنّها لا تتّعظ بالعظة ، فاعلم إذن أيّها النبي أنّهم
لا يُؤْمِنُونَ
بك حتى يأتيهم الموت ، لكون ذواتهم في أعلى درجة الشقاوة ، وقلوبهم في أقصى مرتبة القساوة ، فلا تتعب نفسك في دعوتهم إلى الايمان ، ولا تكن حريصا في وعظهم وإنذارهم ، بل اكتف بما تتمّ به الحجّة عليهم .
ثمّ بيّن سبحانه اختصاص نفع الإنذار والدعوة إلى الايمان بأصحاب القلوب الصافية والآذان
هامش
( 1 ) . تفسير القمي 2 : 212 ، تفسير الصافي 4 : 244 .
( 2 ) . زاد في النسخة : أن .
( 3 ) . تفسير الرازي 26 : 44 ، تفسير أبي السعود 7 : 160 .
( 4 ) . في المصدر : العجل .
( 5 ) . تفسير القمي 2 : 212 ، تفسير الصافي 4 : 245 .