ثمّ بيّن سبحانه لجاج القوم وامتناعهم من الايمان بقوله :
لَقَدْ حَقَّ
وثبت ووجب
الْقَوْلُ
والوعد الذي سبق منّا عند تهديد إبليس - حيث قلنا :
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ
« 1 » أو قولنا :
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
« 2 » -
عَلى أَكْثَرِهِمْ
لوضوح كونهم أهل الشّقاوة والشّقاق
فَهُمْ
لخبث ذاتهم وانطباع قلوبهم
لا يُؤْمِنُونَ
بك وبكتابك وإنذارك أبدا ، ولا يطيعونك في شيء أصلا .
ثمّ شبّه سبحانه الأخلاق الرذيلة المانعة عن إيمانهم بالغلّ العريض الذي يكون في العنق فيمنع الرأس من تطأطئه وانحنائه بقوله :
إِنَّا
بتجبّلهم على الحسد والكبر والشّقاء ، كأنّه
جَعَلْنا
وصيّرنا
فِي أَعْناقِهِمْ
وجيادهم
أَغْلالًا
غلاظا ثقالا
فَهِيَ
لكثرة غلظها وعرضها منتهية من الصدور
إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ
لتلك الأغلال
مُقْمَحُونَ
رؤوسهم ورافعوها غير قادرين على تطأطئها والالتفات بها .
فحاصل المعنى أنّ كفّار مكة لكثرة تكبّرهم وشدّة حسدهم على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله [ أبوا ] تسليما وانقيادا له ، وأن يلتفتوا إلى الحقّ ، وأن يفتحوا عيونهم لرؤية معجزاته وآياته ، وأن ينظروا إليه وإليها ، وأن يؤمنوا بما جاء به .
عن الصادق عليه السّلام ، قال : « هذا في الدنيا ، وفي الآخرة في نار جهنم مقمحون » « 3 » .
ثمّ شبّه سبحانه امتناعهم عن سلوك طريق الحقّ والصراط المستقيم ، ووقوفهم على الكفر [ الذي ] عماهم عن رؤية المعجزات ، بمن كان في أطرافه سدّ عظيم لا يمكنه الخروج منه ، ولا رؤية ما في العالم من الأشياء بقوله :
وَجَعَلْنا
وخلقنا
مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ
وتلقاء وجوههم
سَدًّا
عظيما
وَمِنْ خَلْفِهِمْ
وورائهم أيضا
سَدًّا
عظيما لا يمكنهم المشي لا من القبال ولا من الخلف ، فلا يقدرون على الذّهاب إلى المقصد ، والرجوع إلى المأوى والمأمن
فَأَغْشَيْناهُمْ
وغطّينا رؤوسهم وأبصارهم بسبب السدّين ، لغاية تقاربهما وارتفاعهما ، أو بغشاء آخر مانع عن إبصارهم
فَهُمْ
لذلك
لا يُبْصِرُونَ
شيئا من آيات الآفاق والأنفس الدالات على وحدانية اللّه ، ومن المعجزات الدالة على نبوة النبي صلّى اللّه عليه وآله وحقّانية دينه .
عن الباقر عليه السّلام : « يقول فأعميناهم فهم لا يبصرون الهدى ، أخذ اللّه سمعهم وأبصارهم وقلوبهم ،
هامش
( 1 ) . سورة ص : 38 / 85 .
( 2 ) . السجدة : 32 / 13 .
( 3 ) . الكافي 1 : 358 / 90 ، تفسير الصافي 4 : 245 .