تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
لهدايتهم وإرشادهم إلى ما هو الصواب من أمور الدنيا والآخرة ، فليس للكفار أن يقولوا : لست مرسلا ، وإنك ثابت أو متمكّن
عَلى صِراطٍ
وطريق
مُسْتَقِيمٍ
موصل إلى أعلى مراتب كمال الانسانية والقرب منه ، وأعلى درجات الجنة والرضوان بلا انحراف واعوجاج ، وهو الاسلام المركّب من التوحيد والمعارف الإلهية والأحكام العملية والأخلاق الربانية ، وإنّما وصف دينه بالاستقامة مع كون شرائع سائر الأنبياء مستقيمة لكون استقامته وإيصاله إلى المقصد الأعلى فوق استقامتها ، وفي توصيف القرآن البالغ حدّ الاعجاز في حسن الأسلوب وفصاحة البيان بالحكمة البالغة ، أو الحكومة بين الناس مع كون الآتي به أميا ، إشارة إلى كونه أقوى الأدلة على كونه واجدا للوصفين ، وإنّما أتى بالدليل بصورة الحلف للتنبيه بعظمة القرآن ، فانّ الحلف لا يكون إلّا بأمر عظيم عند الحالف ، وبأنّ البرهان قد أقيم على الأمرين مرارا بأبلغ بيان ، فلم يبق إلّا الحلف على المدّعى برجاء كونه سببا لوثوق المنكر به ، فجمع سبحانه بين الاستدلال والحلف بقوله :
وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ
أعني
تَنْزِيلَ
الإله
الْعَزِيزِ
والقاهر لكلّ شئ ، والقادر على عقوبة منكر القرآن ورسالة رسوله ودينه
الرَّحِيمِ
بمن أقرّ بالجميع ، والعطوف بمن أطاعه وأطاع رسوله ، أو المراد القاهر لعباده بجعل الأحكام الوجوبية والتحريمية ، الرحيم بهم بجعل الأحكام الندبية والكراهية والإباحية ، وإنّما وصفه بكونه تنزيلا من اللّه لكمال ظهور آثار النزول فيه ، بحيث صحّ أن يقال مبالغة : إنّ هذا لمنزل عين النزول . ثمّ بيّن سبحانه علّة إرسال رسوله وتنزيل كتابه بقوله :
لِتُنْذِرَ
يا محمد وتخوّف
قَوْماً
وطائفة تكون فيهم
ما أُنْذِرَ
به وخوّف بتوسط سائر الأنبياء
آباؤُهُمْ
من العذاب . وقيل : يعني قوما الذين انذر آباؤهم « 1 » ، أو قوما نحو ما انذر آباؤهم ، كما روي عن الصادق عليه السّلام أنّه قال : « لتنذر القوم الذين أنت فيهم ، كما انذر آباؤهم » « 2 » . أقول : على هذا يكون ( ما ) مصدرية . وقيل : إنّها نافية ، والمعنى لتنذر قوما الذين ما انذر آباؤهم الأقربون لطول مدّة الفترة « 3 » وغيبة الأنبياء من بينهم ، وإن انذر آباؤهم الأبعدون الذين كانوا في زمان إسماعيل ومن بعده من الأنبياء العرب والعجم ، فبعد غلبة الكفر وشيوعه وغيبة الأنبياء لم ينذروا ، فصار الناس جميعا غافلين عن التوحيد والمعارف والمعاد ، فصارت هذه الغفلة سببا لوجوب إنذارهم ، كما قال سبحانه :
فَهُمْ غافِلُونَ
عن اللّه ، وعن رسوله ، وعن وعيده ، كما عن الصادق عليه السّلام « 4 » .

[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 7 إلى 9 ]

لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 7 ) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ( 8 ) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( 9 )
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 26 : 42 ، تفسير القرطبي 15 : 6 . ( 2 ) . الكافي 1 : 358 / 90 ، تفسير الصافي 4 : 245 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 7 : 368 . ( 4 ) . الكافي 1 : 358 / 90 ، تفسير الصافي 4 : 245 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 252 | الشيخ محمد النهاوندي