وفي الآخر : « المكر والخديعة في النار » « 1 » .
روي أنّ قريشا بلغهم قبل مبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أنّ أهل الكتاب كذّبوا رسلهم ، فقالوا : لعن اللّه اليهود والنصارى ، أتتهم الرسل فكذّبوهم ، وحلفوا كما حكى اللّه عنهم « 2 » .
ثمّ هددهم سبحانه بقوله :
فَهَلْ
المشركون
يَنْظُرُونَ
وينتظرون
إِلَّا سُنَّتَ
اللّه في الأمم
الْأَوَّلِينَ
وطريقته المألوفة الجارية في المكذبين السابقين وماكريهم بالنبيين من تعذيبهم وإهلاكهم
فَلَنْ تَجِدَ
يا محمد ، أو يا بن آدم
لِسُنَّتِ اللَّهِ
وطريقة معاملته مع أعدائه وأعداء رسله
تَبْدِيلًا
بأن يعفو عن المكذّبين الماكرين الذين كان بناؤه على تعذيبهم
وَلَنْ تَجِدَ
أبدا
لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا
ونقلا لعذابه من المكذّبين إلى غيرهم ، ومن المستحقّين إلى من عداهم ، وعدم وجدانهما دليل على عدم وجودهما .
[ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 44 إلى 45 ]
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً ( 44 ) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً ( 45 )
ثمّ استشهد سبحانه على سنّته السابقة في الأمم بالآثار الباقية من المعذّبين الماضين بقوله :
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا
قيل : إنّ التقدير أقعد المشركين في منازلهم « 3 » ولم يسافروا
فِي الْأَرْضِ
ولم يذهبوا إلى الشام واليمن والعراق للتجارة أو غيرها
فَيَنْظُرُوا
بنظر الاعتبار إلى الديار الخربة التي بقيت من الأمم المهلكة ، فيعلموا
كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ
تكذيب الأمم
الَّذِينَ
عتوا على اللّه وكذّبوا الرّسل
مِنْ قَبْلِهِمْ
كعاد وثمود وقوم سبأ ؟
وَ
الحال أنّهم
كانُوا
في حياتهم
أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً
فما أغنى عنهم شدّة القوى وعظمة الأجساد وطول الأعمار ، مع أنّهم لم يكذّبوا مثل محمد صلّى اللّه عليه وآله
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ
عن إنفاذ إرادته وتعذيب أعدائه
مِنْ شَيْءٍ
كائن
فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
ولم يفته ، فهؤلاء أولى بأن لا يعجزوه ولا يفوتوه
إِنَّهُ
تعالى
كانَ عَلِيماً
بأعمالهم وعقائدهم الفاسدة وأخلاقهم الرذيلة
قَدِيراً
على تعذيبهم وإهلاكهم .
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 7 : 361 .
( 2 ) . تفسير أبي السعود 7 : 156 ، تفسير روح البيان 7 : 360 .
( 3 ) . تفسير أبي السعود 7 : 157 ، تفسير روح البيان 7 : 362 .