تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 17 إلى 18 ]

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 17 ) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ ( 18 ) ثمّ قوّى سبحانه قلوب المؤمنين في الجهاد ببيان أنّه هو القاهر للأعداء وقاتلهم وهازمهم كما قتلهم وهزمهم ببدر ، بقوله :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ
في غزوة بدر بقوّتكم وقدرتكم
وَلكِنَّ اللَّهَ
بقدرته
قَتَلَهُمْ
حيث قوّى قلوبكم ، وأزال عنكم الخوف ، وأيّدكم بالملائكة ، وألقى في قلوبهم الرّعب
وَما رَمَيْتَ
الحصى أو التراب في وجوه قريش يوم بدر
إِذْ رَمَيْتَ
الحصى أو التّراب يا محمّد
وَلكِنَّ اللَّهَ
في الحقيقة
رَمى
حيث إنّه أمرك بالرّمي ، وأوصل الحصاة إلى عيون المشركين . روي أنّه لمّا طلعت قريش من العقنقل - وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي - قال صلّى اللّه عليه وآله : « اللّهم هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها ، يكذّبون رسولك ، اللّهم إنّي أسألك ما وعدتني » فأتاه جبرئيل فقال : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فلمّا التقى الجمعان قال لعليّ عليه السّلام : « أعطني من صباء الوادي » ، فرمى بها في وجوههم وقال : « شاهت الوجوه » - أي قبحت - فما من المشركين أحد إلّا أصاب عينيه ومنخريه تراب ، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم ، ثمّ لمّا انصرفوا من المعركة غالبين غانمين ، أقبلوا على التّفاخر يقولون : قتلت وأسرت وفعلت وتركت ، فنزلت « 1 » . فحاصل الآية أنّ الرّمي وإن كان بيدك ، إلّا أن إيصال ذرّات الحصى في وجوه جميع المشركين ؛ بحيث لم يبق فيهم عين إلّا أصابها منه ، لم يكن إلا بقدرة اللّه تعالى وعلى خلاف العادة . وإنّما فعل ذلك ليمحق الكافرين
وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ
ويمتحنهم
مِنْهُ بَلاءً
وامتحانا
حَسَناً
ليعلم أنّهم يقومون بشكره أم لا . وقيل : يعني : لينعم عليهم نعمة عظيمة من النّصر والغلبة ومشاهدة الآيات
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
لدعائهم واستغاثتهم
عَلِيمٌ
بنيّاتهم وصفاء ضمائرهم ، وانقطاعهم عن الأسباب .
ذلِكُمْ
البلاء الحسن للمؤمنين إحدى العلل ، والثانية : أن يعلم المؤمنون أنّ اللّه مؤيّدهم
وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ
ومبطل حيلهم في إطفاء نور الحقّ ، والإخلال في أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله . وقيل : نزل قوله :
وَما رَمَيْتَ
في يوم خيبر ، فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قوسا وهو على باب خيبر فرمى سهما ، فأقبل السّهم حتّى قتل ابن أبي الحقيق ، فنزلت « 2 » .
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 3 : 325 . ( 2 ) . تفسير الرازي 15 : 140 .