تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 609

مساهمون:

ص٦٠٩
كفيلا بالوفاء به . ثمّ رغّب في الوفاء ورهّب عن الحنث بقوله :
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ
من الوفاء والحنث ، فيجازيكم على الأول بالثواب ، وعلى الثاني بالعقاب . قيل : نزلت في جماعة أسلموا بمكة ، وعاهدوا الرسول ، فلمّا رأوا غلبة قريش وضعف المسلمين جزعوا واضطربوا ، وهمّوا بنقض العهد بتسويل الشيطان ، فثبّتهم اللّه بهذه الآية على عهدهم مع الرسول صلّى اللّه عليه وآله « 1 » . والقميّ عن الصادق عليه السّلام : « لمّا نزلت ولاية علي بن أبي طالب عليه السّلام ، وكان من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين ، فكان ممّا أكّد اللّه عليهم في ذلك اليوم ، وقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لهما : قوما فسلّما عليه بإمرة المؤمنين . فقالا : أمن اللّه أو من رسوله ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : من اللّه ومن رسوله . فأنزل اللّه
وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ
يعني به قول رسول اللّه لهما ، وقولهما : أمن اللّه أو من رسوله ؟ » « 2 » . أقول : يمكن تكرّر نزول الآية .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 92 ]

وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 92 ) ثمّ أكّد سبحانه وجوب الوفاء بالعهود وحرمة نقضها بقوله :
وَلا تَكُونُوا
أيّها المؤمنون في عهودكم وأيمانكم ونقضها بلا مجوّز شرعي وعقلائي
كَالَّتِي
غزلت الشعر والصوف وفتلت الحبل كلّ يوم ثمّ
نَقَضَتْ غَزْلَها
وفتلها
مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ
وإبرام وإحكام له حتى جعلته
أَنْكاثاً
وخيوطا ، أو اجزاء متفرقة كالصوف المنفوش ، ثمّ غزلت مرة ثانية ، ثمّ فعلت ما فعلت بالغزل الأول . قيل : هي امرأة من قريش يقال لها رايطة أو ريطة « 3 » أو خطيئة بنت سعد بن تميم ، تلقّب بالجعراء « 4 » ، أو خضراء ، أو خرقاء « 5 » ، وكانت حمقاء « 6 » ، وكانت أعدّت مغزلا قدر ذراع في رأسه حديدة مثل إصبع ، وفلكة عظيمة على قدرها ، وكانت هي وجواريها تغزل من الصبح إلى نصف النهار ، ثمّ تأمرهنّ
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 5 : 73 . ( 2 ) . الكافي 1 : 231 / 1 ، تفسير الصافي 3 : 152 ، تفسير القمي 1 : 389 « نحوه » . ( 3 ) . تفسير الرازي 20 : 108 ، تفسير القمي 1 : 389 . ( 4 ) . تفسير الرازي 20 : 108 . ( 5 ) . مجمع البيان 6 : 590 ، تفسير البيضاوي 1 : 555 . ( 6 ) . تفسير الرازي 20 : 108 ، تفسير الصافي 3 : 153 .