[ سورة الحجر ( 15 ) : آية 70 ]
قالُوا أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ ( 70 )
ثمّ استدلّ بخلقة الانسان بقوله :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ
وأوجدكم
ثُمَّ
بعد مدّة من التعيّش
يَتَوَفَّاكُمْ
ويميتكم على اختلاف أعماركم ، فمنكم من يموت في الصّغر
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ
وأخسّه وهو الهرم الذي يعود الانسان فيه إلى حال الصّغر من ضعف البدن والقوى والعقل والفهم .
عن أمير المؤمنين عليه السّلام ، أنّه قال : « أرذل العمر خمس وسبعون سنة » « 1 » .
وعن الصادق عليه السّلام ، عن أبيه عليه السّلام : « إذا بلغ العبد مائة سنة فذلك أرذل العمر » « 2 » .
أقول : لعلّ الاختلاف من جهة اختلاف الأشخاص .
لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ
كثير
شَيْئاً
من العلم أو المعلومات ، وقيل : يعني لئلا يعقل بعد عقله الأول شيئا « 3 » .
عن القمي : إذا كبر لا يعلم ما علمه قبل ذلك « 4 »
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
بمقادير أعماركم
قَدِيرٌ
على إبقاء الهرم الفاني وإماتة الشابّ القويّ النّشط ، ولو كان ذلك بمقتضى الطبائع لما بلغ التفاوت هذا المبلغ .
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 71 ]
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 71 )
ثمّ أنّه تعالى بعد ذكر تفاوت الآجال ذكر كثرة تفاوت أرزاق الناس بقوله :
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ
آخر
فِي الرِّزْقِ
والنّعم الدنيوية ، حيث إنّكم ترون العاقل الكيّس الفطن في جميع الأمور يجتهد مدّة عمره ، ويدبّر في طلب القليل من الدنيا ، ولا يتيسّر له ، بل يعيش في غاية العسرة ، والجاهل الغبيّ تقبل عليه النّعم وتنفتح عليه أبوابها ، ويحصل له كلّما أراد في الحال بأيسر وجه ، ولو كان المؤثّر في ازدياد الرزق العقل والتدبير والجهد ، لكان الأمر بالعكس .
فعلم أنّ التفاوت بتقدير العزيز العليم ، كما قال تعالى :
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
« 5 » فإذا علم أنّ الرازق هو اللّه
فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا
في الرزق على غيرهم
بِرَادِّي
معطي
رِزْقِهِمْ
وما أعطاهم اللّه من النّعم
عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
من العبيد والإماء ، بل كلّ من المالك
هامش
( 1 ) . مجمع البيان 6 : 574 ، تفسير الصافي 3 : 144 .
( 2 ) . تفسير القمي 2 : 79 ، تفسير الصافي 3 : 144 .
( 3 ) . تفسير أبي السعود 5 : 127 .
( 4 ) . تفسير القمي 1 : 387 ، تفسير الصافي 3 : 145 .
( 5 ) . الزخرف 43 : 32 .