ثمّ استدلّ سبحانه على توحيده بعجائب حالات النباتات ومنافعها بقوله :
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ
نسقيكم ونطعمكم ، حيث إنّكم
تَتَّخِذُونَ مِنْهُ
لانتفاعكم
سَكَراً
وخمرا .
عن الصادق عليه السّلام : « أنّها نزلت قبل آية التحريم فنسخت بها « 1 » » . وقيل : إنّها لا تدلّ على حلّيته ، لأنّ الخطاب للمشركين ، وكان الخمر من أشربتهم « 2 » ، بل أشار سبحانه إلى حرمته بقوله :
وَرِزْقاً
وطعاما
حَسَناً
من الربّ « 3 » والخلّ والدّبس وغيرها ، فإنّ توصيف الرزق بالحسن في مقابل السّكر مع كونه حسنا عند العرب بمقتضى الشهوة ، يدلّ على عدم كون السّكر حسنا بحسب الشرع .
وقيل : إنّ المراد بالسّكر الخلّ ، وعليه القمّي « 4 » وقيل : إنّ المراد به مطلق الطعام « 5 » .
ثمّ لمّا ذكر تلك النّعم التي يكون كلّ واحد منها دليلا قاطعا على توحيده ، حثّ العقلاء على التفكّر فيها بقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ
المذكور
لَآيَةً
عظيمة ودلالة واضحة على التوحيد
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
فإنّهم إذا التفتوا إليها ، علموا بالضّرورة أنّ المدبّر ليس إلّا الواحد الحكيم القدير .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 68 إلى 69 ]
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 ) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 69 )
ثمّ استدلّ سبحانه بعجائب حالات النحل وإخراج العسل منها ، وهو مركّب من عجائب الحيوان والنبات بقوله :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
وزنبور العسل ، بأن ألهمها وعلّمها وقرّر في نفسها
أَنِ اتَّخِذِي
لنفسك
مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً
ومساكن تأوي إليها
وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
ويرفعونه من الأرض من كرم أو سقف أو جدار .
وقيل : كلّ ذباب في النّار إلّا ذباب العسل « 6 » . وإنّما سمّيت نحلا لأنّ اللّه تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج منها ، ومن عجائبها أنّها تبني بيوتا مسدّسة متساوية الأضلاع لا يزيد بعضها على بعض بحيث لا يبقى بينها فرج خالية ، ولو كانت مشكّلة بغيرها لبقيت بينها بالضّرورة فرج خالية ضائعة .
هامش
( 1 ) . تفسير العياشي 3 : 14 / 2399 ، تفسير الصافي 3 : 142 .
( 2 ) . تفسير الرازي 20 : 68 .
( 3 ) . الربّ : عصارة التمر والعنب المطبوخة .
( 4 ) . تفسير القمي 1 : 387 ، تفسير الصافي 3 : 142 .
( 5 ) . تفسير الرازي 20 : 68 ، تفسير البيضاوي 1 : 550 ، تفسير أبي السعود 5 : 125 .
( 6 ) . تفسير روح البيان 5 : 50 .