تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 542

مساهمون:

ص٥٤٢
ثمّ خلقه اللّه وسوّاه ، ونفخ فيه الروح
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ
بحيث لم يشذّ منهم أحد و
أَجْمَعُونَ
بحيث لم يتأخّر أحد في امتثال الأمر من أحد ، أو المراد المبالغة في التأكيد والتعميم
إِلَّا إِبْلِيسَ
وإنّما الاستثناء مع كونه من الجنّ لكونه مغمورا بألوف من الملائكة . وقيل : لأنّه كان من جنس الملائكة الذين يتوالدون « 1 » ، والحقّ هو الأول ، وعلى أي تقدير لا شبهة أنّه كان مأمورا بالسجود ، ومع ذلك
أَبى
وأمتنع من
أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
وموافقا لهم في الطاعة ، فعاتبه اللّه عند ذلك و
قالَ
عتابا وتوبيخا له :
يا إِبْلِيسُ ما
كان
لَكَ
من العذر في
أَلَّا تَكُونَ
موافقا
مَعَ
الملائكة
السَّاجِدِينَ
لآدم من عرفانك بشرفهم ومنزلتهم لدي ؟
قالَ
إبليس : عذري في الامتناع من السجود له ، أنّي علمت أنّك خلقتني من النار التي هي أشرف العناصر وأعلاها و
لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ
ومخلوق كثيف
خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ
كائن من
حَمَإٍ مَسْنُونٍ
مع شرفي وفضيلتي عليه ، فانّه لا يصحّ تواضع الأشرف والأفضل للأدنى والمفضول .
قالَ
اللّه : إذن لا يجوز إقامتك في الجنّة ، أو في السماوات ، أو في المنزلة [ التي ] كانت لك ، أو في زمرة الملائكة
فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ
قايست وعصيت ، وكلّ من قاس وعصى فهو
رَجِيمٌ
ومطرود من دار كرامتي ومن كلّ خير
وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ
والدعاء بالشرّ من الملائكة والنّاس ، أو الابعاد من الرحمة من الآن
إِلى يَوْمِ الدِّينِ
ووقت جزاء الأعمال ، وأمّا بعد ذلك فعليك العذاب الذي لا يقادر قدره . قيل : إنّ التوقيت بيوم الدين كناية عن الدوام « 2 » . ثمّ
قالَ
إبليس :
رَبِّ
إذ جعلتني رجيما وملعونا
فَأَنْظِرْنِي
وأمهلني في الدنيا ، ولا تمتني
إِلى يَوْمِ
القيامة الذي فيه يحشر « 3 » الناس و
يُبْعَثُونَ
يوم البعث من القبور للحساب ، وإنّما سأل ذلك ليكون له فسحة في إغواء بني آدم وأخذه الثأر ، لا للنجاة من الموت لاستحالتها
قالَ
سبحانه :
فَإِنَّكَ مِنَ
جملة
الْمُنْظَرِينَ
والممهلين ، ولكن لا إلى يوم البعث ، بل
إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
وهو النفخة الأولى التي يصعق فيها من في السماوات والأرض . روي أنّ بين موته وبعثة أربعين سنة من سنيّ الدنيا ، وهو ما بين النفختين « 4 » .
هامش
( 1 ) . تفسير أبي السعود 5 : 75 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 4 : 465 . ( 3 ) . في النسخة : يحشرون . ( 4 ) . تفسير أبي السعود 5 : 77 .