تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
حتى لا يبقى لأحد مجال الشكّ والترديد فيها ، وأمّا الزائد عليه فليس على اللّه بحتم ، بل إن شاء أذن وإن لم يشأ لم يأذن . ومنها أنّ محمّدا لو كان نبيا لأنزل علينا بالعذاب الذي أو عدنا به على إنكار التوحيد ورسالته ، فأبطلها سبحانه بقوله :
لِكُلِّ أَجَلٍ
وحادث قضاه اللّه ، أو لكل أجل من آجال الناس ، أو لكلّ وقت من الأوقات
كِتابٌ
ووقت معين مثبوت عند اللّه في اللوح المحفوظ لا يزاد ولا ينقص ، ولا يتقدّم ولا يتأخّر ، ولا يطّلع عليه أحد غيره ، فنزول العذاب على الكفّار ونصرة الأنبياء ، وإن كانا ممّا قضاه اللّه ، ولكن لهما وقت معين مكتوب ، فلا يدلّ تأخيرهما على كون المخبر بهما كاذبا . ومنها أن محمّدا لو كان رسولا صادقا لما نسخ الأحكام التي أنزل اللّه بها في الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل ، فأزاحها اللّه بقوله :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ
محوه من الأحكام ، وينسخ ما يريد نسخه
وَيُثْبِتُ
بدله ما يشاء إثباته من الأحكام على حسب اقتضاء المصلحة في الأزمنة المختلفة والأمم المتغايرة . وقيل : إنّ قوله :
لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ
كالمقدمة لتقرير دفع الشّبهة ، إمّا بالقول بأنّ الكلام مقلوب ، والمعنى لكلّ كتاب من الكتب السماوية أجل ينزله فيه وقت يعمل به ، فوقت العمل بسائر الكتب قد انقضى وحضر وقت العمل بالقرآن ، أو المراد لكلّ حادث وقت معين قضى اللّه حصوله وبقاءه فيه كالحياة والموت ، والغنى والفقر ، وغير ذلك « 1 » . فإذا لم يمتنع أن يحيي أولا ثم يميت ثانيا ، فكيف يمتنع أن يشرع الحكم في بعض الأوقات ثمّ ينسخه في بعض آخر منها ؟ ثمّ أنّه تعالى بعد تقرير هذه المقدمة قال :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ
والمعنى أنّه يوجد تارة ويعدم تارة أخرى ، ويحيي تارة ويميت أخرى ، وكذلك يشرّع الحكم وينسخه حسب ما اقتضته الحكمة والمصلحة . وقيل : يمحو من ديوان الحفظة الذين شغلهم كتب كلّ قول وعمل ما يترتّب عليه الجزاء ويثبت الباقي . أو يمحو سيئات التائب ويثبت مكانها الحسنات . أو يمحو قرنا ويثبت آخرين . أو يمحو الفاسدات من العالم الجسماني ، ويثبت الكائنات . أو يمحو الرزق ، ويثبت ويزيد فيه . أو يمحو الأجل أو السعادة والشقاوة « 2 » . وروى [ هذا ] « 3 » عن جابر ، عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، والظاهر تعميم المحو والاثبات للكلّ « 4 » .
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 19 : 64 . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 5 : 27 . ( 3 ) . في تفسير أبي السعود : وهذا رواه . ( 4 ) . تفسير أبي السعود 5 : 27 .