ثمّ أنه تعالى بعد رفع شبهات الكفّار في نبوة نبيه صلّى اللّه عليه وآله ، هدّدهم بالعذاب ، وأمر نبيه صلّى اللّه عليه وآله بالثبات على التبليغ ، وعدم الاعتناء بترّهاتهم بقوله :
وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ
يا محمّد
بَعْضَ
العذاب
الَّذِي نَعِدُهُمْ
نزوله عليهم في الدنيا
أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ
قبل تعذيبهم ، ونعذّبهم بعد وفاتك ، وعلى أيّ تقدير لا تعتن بمقالاتهم ، واشتغل بما هو وظيفتك
فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ
وبيان ما انزل عليك وإتمام الحجّة عليهم
وَعَلَيْنَا الْحِسابُ
ومجازاة العصاة والطغاة في الدنيا والآخرة ، لا عليك .
ثمّ أنهم كيف ينكرون نزول العذاب عليهم مع أنّهم يرون أمارات صدق وعدنا
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ
التي سكنوها « 1 »
نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها
وجوانبها باستيلاء المسلمين عليها وإلحاقها بدار الاسلام ، وإهلاك أهلها بالقتل ، وإذلالهم بالأسر ، وإجلائهم منها بالإلجاء ، وذلك من أعظم الأمارات وأقوى الدلالات على أنّ اللّه ينجز وعده .
عن ابن عباس : المراد من نقص أطرافها موت أشرافها وكبرائها وعلمائها ، وذهاب الصّلحاء والأخيار « 2 » .
وقيل :
نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها
يعني بموت أهلها ، وتخريب ديارهم وبلادهم « 3 » .
وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « يعني بذلك ما يهلك من القرون ، فسمّاه إتيانا » « 4 » .
أقول : فيكون المراد أنّهم كيف أمنوا من أن يحدث فيهم أمثال تلك الوقائع .
ثمّ أكّد سبحانه ذلك بقوله :
وَاللَّهُ يَحْكُمُ
بما يشاء ، وقد حكم بنزول الدواهي والبلايا على الكفّار ، وبنصرة المسلمين عليهم
لا مُعَقِّبَ
ولا رادّ
لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ
بل هو نافذ في كلّ شيء .
[ سورة الرعد ( 13 ) : آية 42 ]
وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ( 42 )
ثمّ بالغ سبحانه في تأكيد وعده بقوله :
وَقَدْ مَكَرَ
الأمم
الَّذِينَ
كانوا
مِنْ قَبْلِهِمْ
بأنبيائهم « 5 » وسعوا في الاضرار بهم ، كما مكر كفّار قومك بك ودبّروا في قتلك ، وصرف الناس عنك ، وفي إبطال
هامش
( 1 ) . في النسخة : سكونها .
( 2 و 3 ) . تفسير الرازي 19 : 67 .
( 4 ) . الاحتجاج : 250 ، تفسير الصافي 3 : 76 .
( 5 ) . كذا أثبتناها ، وهي في النسخة غير مقروءة .