ذلك جبرئيل حسر العمامة عن وجهه فعرفه إبراهيم ، فقال : أنت هو ، قال : نعم . ومرّت سارة امرأته فبشّرها بإسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب ، فقالت : ما قال اللّه عزّ وجلّ ، وأجابوها بما في الكتاب العزيز ، فقال لهم إبراهيم : لماذا جئتم ؟ قالوا : في إهلاك قوم لوط ، فقال : إن كان فيهم مائة من المؤمنين أتهلكونهم ؟ قالوا : لا » . . . إلى آخر ما سبق من مجادلة إبراهيم ، بتفاوت يسير .
قال الرّاوي : [ قال عليه السّلام ] « لا أعلم هذا القول إلّا وهو يستبقيهم ، وهو قول اللّه عزّ وجل :
يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ ،
فأتوا لوطا وهو في زراعة قرب القرية ، فسلّموا عليه وهم معتمّون ، فلمّا رأى هيئة حسنة ، عليهم ثياب بيض ، وعمائم بيض ، فقال لهم : المنزل ؟ فقالوا : نعم ، فتقدّمهم ومشوا خلفه فتندّم على عرضه المنزل عليهم وقال : أيّ شيء صنعت ، أن آتي [ بهم ] قومي وأنا أعرفهم ! فالتفت إليهم فقال :
إنّكم لتأتون شرارا من خلق اللّه ، قال جبرئيل : لا نعجل عليهم حتّى يشهد عليهم ثلاث مرّات ، وقال هذه واحدة ، ثمّ مشى ساعة ثمّ التفت إليهم وقال : إنّكم لتأتون شرارا من خلق اللّه ، قال جبرئيل : هذه ثنتان ، ثمّ مشى فلمّا بلغ المدينة التفت إليهم فقال : إنّكم لتأتون شرارا من خلق اللّه ، فقال جبرئيل : هذه الثالثة ، ثمّ دخل ودخلوا معه حتّى دخل منزله ، فلمّا رأتهم امرأته رأت هيئة حسنة ، فصعدت فوق السطح وصفّقت : فلم يسمعوا ، فدخّنت ، فلمّا رأوا الدّخان أقبلوا يهرعون حتّى جاءوا إلى الباب ، فنزلت إليهم فقالت : عنده قوم ، ما رأيت قوما قطّ أحسن منهم هيئة ، فجاءوا إلى الباب ليدخلوا ، فلمّا رآهم لوط قام إليهم ، فقال لهم :
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ،
وقال :
هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ
فدعاهم إلى الحلال ، فقالوا :
لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ،
فقال :
لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ،
فقال جبرئيل : لو يعلم أيّ قوّة له .
قال : فكاثروه « 1 » حتّى دخلوا البيت ، فصاح به جبرئيل وقال : يا لوط دعهم يدخلون ، فلمّا دخلوا أهوى جبرئيل بإصبعه نحوهم ، فذهبت أعينهم ، وهو قول اللّه عزّ وجلّ :
فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ
« 2 » ، ثمّ ناداه جبرئيل فقال له :
إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ،
وقال له جبرئيل : إنّا بعثنا في إهلاكهم ، فقال : يا جبرئيل عجّل ، فقال :
إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ،
فأمره فتحمّل هو ومن معه إلّا امرأته ، ثمّ اقتلعها - يعني المدينة - جبرئيل بجناحيه من سبعة أرضين ، ثمّ رفعها حتّى سمع أهل السّماء « 3 » نباح الكلاب وصراخ الدّيوك ، ثمّ قلبها وأمطر عليها وعلى
هامش
( 1 ) . أي غالبوه بالكثرة .
( 2 ) . القمر : 54 / 37 .
( 3 ) . في الكافي : أهل سماء الدّنيا .