الدُّنْيا . . .
الآية « 1 » ، ثمّ عاد سبحانه إلى التّرغيب في الايمان بالقرآن والتّوحيد والإسلام بقوله :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ .
ثمّ أنّه قد كثر الاختلاف بين مفسّري العامّة في المراد من الآية ، فمنهم من قال : إنّ المراد من من
كانَ عَلى بَيِّنَةٍ
هو النبيّ ، ومن البينة هو القرآن ، ومن التلاوة قراءة القرآن ، ومن الشاهد جبرئيل « 2 » ، وقيل : لسان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله « 3 » ، وقيل : معجزاته « 4 » ، وقيل : هو أمير المؤمنين عليه السّلام ؛ كما نقله الفخر الرازي ، وقال :
المراد بكلمة ( منه ) تشريف الشّاهد بأنّه بعض [ من ] محمّد صلّى اللّه عليه وآله « 5 » ، فيكون حاصل المراد : أن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله على بيّنة عظيمة على نبوّته ، وصحّة دينه وهي القرآن ، ويتلوه ويقرأه أمير المؤمنين عليه السّلام الذي هو جزء من محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، وبمنزلة نفسه .
وروى العلّامة في ( نهج الحق ) ، عن الجمهور : أنّ من
كانَ عَلى بَيِّنَةٍ
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، والشاهد عليّ عليه السّلام « 6 » .
وقال القاضي في ( إحقاق الحق ) ، بعد نقل إنكار فضل بن روزبهان الناصبي كونه من تفاسير أهل السنة : إنّ ما نسب المصنّف روايته إلى الجمهور ، قد رواه ابن جرير الطّبري ، وذكره الثّعلبي ، وكذا الحافظ أبو نعيم بثلاثة طرق عن عبد اللّه بن عبد اللّه الأسدي ، والفلكي المفسّر عن مجاهد وعن عبد اللّه بن شدّاد ، وغيرهم من قدماء أهل السّنة ، ومن المتأخّرين فخر الدّين الرازي ، ثمّ نقل عبارة الفخر التي ملخصها ما ذكرنا .
ثمّ قال القاضي : ولا ريب أنّ شاهد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله على امّته يكون أعدل الخلائق سيّما إذا تشرّف بكونه بعضا منه صلّى اللّه عليه وآله كما ذكر الرّازي ، فكيف يتقدّم عليه غيره ؛ مع كون ذلك الشّاهد من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، لأنّ ( من ) هاهنا لتبيين الجنس ، فيؤذن بأنّ عليّ بن أبي طالب من جنس الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وقوله :
وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ
فيه بيان لكون عليّ عليه السّلام تالي الرّسول من غير فصل بينهما بتال آخر ، فمن جعله تاليا بعد ثلاثة فعليه الدّلالة ، لأنّ التالي هو من يلي غيره على أثره من غير فصل بينهما « 7 » .
أقول : الظّاهر أن ( من ) للتّبعيض - كما ذكره الفخر - ودلالته على فضل أمير المؤمنين عليه السّلام أقوى من كون ( من ) لتبيين الجنس ، وكون عليّ عليه السّلام بعضا من الرّسول صلّى اللّه عليه وآله لكونه نفسه ، كما دلّت عليه آية المباهلة ، فما دام كون نفس النبيّ - التي هي بعض مجموع من نفسه وبدنه - موجودا بين النّاس ، كان
هامش
( 1 ) . تفسير أبي السعود 4 : 194 .
( 2 و 3 ) . تفسير الرازي 17 : 201 .
( 4 ) . تفسير أبي السعود 4 : 195 .
( 5 ) . تفسير الرازي 17 : 201 .
( 6 ) . نهج الحق : 195 .
( 7 ) . إحقاق الحق 3 : 357 و 358 .