خلق هذه الدّار ، وإسكانكم فيها ، والإنعام عليكم بفنون النّعم ، وتكليفكم وتعريضكم للثّواب والعقاب
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا .
روي أنّ المعنى : تمتاز درجات أفرادكم في العلم والمعرفة والعقائد الحقّة ، وتبين مراتب أعمالكم الجوانحيّة والجوارحيّة ؛ فيجازيكم حسب استحقاقكم .
روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، « يعني : أيّكم أحسن عقلا ، وأورع عن محارم اللّه ، وأسرع في طاعة اللّه » « 1 » .
وعن الصادق عليه السّلام : « ليس يعني أكثركم عملا ، ولكن : أصوبكم عملا ، وإنّما الإصابة خشية اللّه والنّيّة الصادقة » « 2 » .
ثمّ لمّا كان لازم الابتلاء بالتّكاليف وجود عالم آخر للحساب والجزاء ، وبّخ المشركين على إنكاره بقوله :
وَلَئِنْ قُلْتَ
يا محمّد للنّاس :
إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ
لجزاء أعمالكم ، مستدلّا على صحّة قولك بالقرآن النّاطق ، الذي هو أعظم معجزاتك
لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
منهم :
إِنْ هذا
القرآن
إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
وشعبذة ظاهرة ، أو ما قولك هذا إلّا خديعة باطلة مثل السّحر الظّاهر .
وقيل : إنّ وجه تعلّق الآية بما قبلها ، أنّ البعث لمّا كان خلقا جديدا ، كأنّه تعالى قال : هو الذي خلق جميع الموجودات ابتداء لهذه الحكمة ، ومع ذلك إن أخبرتهم بأنّه تعالى يعيدكم تارة أخرى ، يقولون ما يقولون ، مع أنّ الإعادة أهون من الابتداء « 3 » .
[ سورة هود ( 11 ) : آية 8 ]
وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 8 )
ثمّ أنّه تعالى بعد حكاية تكذيبهم الرّسول ، حكى استهزاءهم بوعده بالعذاب بقوله :
وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ
الذي وعدتهم به
إِلى أُمَّةٍ
وطائفة من الأيام
مَعْدُودَةٍ
وقليلة . القمّي : عن أمير المؤمنين عليه السّلام : يعني به الوقت « 4 » . وقيل يعني : إلى انقراض جماعة قليلة من المتوعّدين بالعذاب « 5 »
لَيَقُولُنَّ
استهزاء بوعيدك
ما
ذا
يَحْبِسُهُ
وأيّ مانع يمنعه من النّزول علينا .
ثمّ ردّهم سبحانه بقوله :
أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ
العذاب الموعود ، وحان حينه
لَيْسَ مَصْرُوفاً
ومدفوعا
عَنْهُمُ
البتّة ، بل وقع عليهم
وَحاقَ
وأحاط
بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
من العذاب . وإنّما أخبر بصيغة الماضي ، تنبيها على تحقّق وقوعه ، ومبالغة في التّهديد .
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 4 : 100 ، تفسير الصافي 2 : 433 .
( 2 ) . الكافي 2 : 13 / 4 ، تفسير الصافي 2 : 432 .
( 3 ) . تفسير أبي السعود 4 : 188 .
( 4 ) . تفسير القمي 1 : 323 ، تفسير الصافي 2 : 433 .
( 5 ) . تفسير الرازي 17 : 189 .