« الذرّيّة » يعبّر [ به ] عن القوم على وجه التّحقير والتّصغير « 1 » . وقيل : أريد بالذريّة أولاد من دعاهم ، وأمّا الآباء فقد استمرّوا على الكفر « 2 » . وقيل : أريد من « قومه » قوم فرعون : وهم آسية ، وخازنة ، وامرأة خازنة وماشطتها ، ومؤمن آل فرعون « 3 » - وعلى أي تقدير ، كان إيمانهم
عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ
وقيل : إنّ ضمير الجمع راجع إلى فرعون لما يعتاد في ضمائر الأعاظم « 4 » . وقيل : عبّر عن قوم فرعون باسمه « 5 » . وقيل : إنّه راجع إلى الذرّيّة ؛ لأن آباءهم كانوا يمنعونهم من الإيمان خوفا عليهم من فرعون « 6 » -
أَنْ يَفْتِنَهُمْ
ويعذّبهم
وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ
وغالب ، أو متكبّر وعات
فِي
تلك
الْأَرْضِ
التي ملكها
وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ
في الظّلم والفساد بتعذيب الضّعفاء ، وسفك الدّماء ، أو في الكبر والعتوّ حتّى ادّعى الربوبيّة ، واسترقّ أبناء الأنبياء .
وَقالَ مُوسى
للمؤمنين لمّا اشتدّ خوفهم من فرعون :
يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ
عن صميم القلب ، وعرفتموه بالقدرة الكاملة والرّحمة والرأفة
فَعَلَيْهِ
وحده
تَوَكَّلُوا
واعتمدوا في حفظكم ، وإن نزل بكم بلاء فاصبروا
إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ
ومستسلمين لقضائه ، راضين برضاه
فَقالُوا
مجيبين له من غير ريث إظهارا لكمال الإيمان والخلوص :
عَلَى اللَّهِ
وحده
تَوَكَّلْنا
في جميع أمورنا .
ثمّ قالوا متوجّهين إلى اللّه ومتضرّعين إليه :
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا
بمقتضى ربوبيّتك ولطفك
فِتْنَةً
ومورد عذاب
لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
أو لا تسلّطهم علينا فيفتنوننا عن دينك ، أو يفتنوا بنا بتخيّلهم أنّنا لو كنّا على الحقّ ما أصابنا منهم ضرر . عنهما عليهما السّلام : « لا تسلّطهم [ علينا ] فتفتنهم بنا » « 7 » -
وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ
صحبة
الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
وسوء جوارهم ، أو من ظلمهم .
[ سورة يونس ( 10 ) : آية 87 ]
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 87 )
ثمّ أنّه تعالى بعد إظهار القوم إيمانهم وتوكّلهم عليه وتضرّعهم إليه ، أمر موسى وهارون باتّخاذ المساجد لهم ، والاهتمام بالصّلاة ، وتبشير المؤمنين بقوله :
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ
هارون
أَنْ تَبَوَّءا
أو اتّخذا ، أو هيّئا
لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً
يسكنون فيها ، ويرجعون إليها للعبادة
وَاجْعَلُوا
أنتما وقومكما
بُيُوتَكُمْ
تلك
قِبْلَةً
ومصلّى ، أو مساجد متوجّهة إلى القبلة - عن
هامش
( 1 و 2 ) . تفسير الرازي 17 : 144 .
( 3 ) . تفسير الرازي 17 : 144 ، تفسير البيضاوي 1 : 444 .
( 4 ) . تفسير البيضاوي 1 : 444 .
( 5 ) . تفسير الرازي 17 : 145 .
( 6 ) . تفسير أبي السعود 4 : 170 .
( 7 ) . مجمع البيان 5 : 193 ، تفسير الصافي 2 : 414 .