تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢

[ سورة يونس ( 10 ) : آية 19 ]

وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 19 ) ثمّ أنّه تعالى بعد تبرئة نفسه عن اتّخاذ الشّريك ، نبّه على أنّ حدوث مذهب الشّرك إنّما كان بالأهواء الزّائغة والآراء الفاسدة بقوله :
وَما كانَ النَّاسُ
من زمان آدم إلى زمان نوح عليهما السّلام - على ما قيل « 1 » -
إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً
وجماعة متّفقة على ملّة التّوحيد والمذهب الحقّ - كما مرّ - وعن ابن عبّاس رضى اللّه عنه قال : كانوا على دين الإسلام في عهد آدم عليه السّلام وعهد ولده « 2 » ، وقيل : إنّ المراد من النّاس : العرب « 3 » ، فإنّهم كانوا على مذهب التّوحيد من زمان إبراهيم عليه السّلام -
فَاخْتَلَفُوا
- على التّفسير الأوّل - في عهد نوح ، وعن ابن عبّاس : عند قتل قابيل هابيل « 4 » ، وعلى أنّ المراد من النّاس : العرب ، عند تغيير عمرو بن لحي دين إسماعيل ، فمنهم من بقي على التّوحيد ودين الحقّ ، ومنهم من أشرك وكفر . قيل : إنّ الغرض من بيان بدء حدوث الشّرك ترك تعصّب العرب لنصرته ، بل الاستدلال به على بطلانه ، لكون آدم والأطايب من أولاده على دين التّوحيد دليل على بطلان مذهب الشّرك « 5 » . وقيل : إنّ المراد أنّ النّاس كانوا على فطرة التّوحيد فاختلفوا بواسطة الآباء « 6 » . وقيل : كانوا على الكفر فاختلفوا بواسطة الأنبياء . وعليه يكون الغرض تسلية النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وقطع رجائه بإيمان الكلّ « 7 » . ثمّ نبّه سبحانه على استحقاق المخالفين لأهل الإيمان التّسريع في تعذيبهم ، والتّعجيل في إهلاكهم ، وإنّما اقتضت الرّحمة وصلاح نظام العالم إمهالهم إلى أجلهم ، بقوله :
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ
من قوله : سبقت رحمتي غضبي « 8 » ، ومن قوله :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
« 9 » - على قول - ومن إخباره تعالى بأنّ التّكليف باق على العباد وإن كانوا به كافرين - على قول آخر « 10 » -
لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
عاجلا
فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
من التّوحيد والشّرك ، وقضائه بإنزال العذاب على المشركين والرّحمة على المؤمنين ، وإنّما الرّحمة الواسعة ، ومصلحة نظام العالم على الوجه الأتمّ ، وكرامة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله الأكرم اقتضت إمهال المشركين وتأخير تعذيبهم إلى ما بعد الموت ويوم القيامة . والحاصل : أنّ الحكمة اقتضت أن تكون هذه الدّار الفانية دار بلاء واختبار ، والدّار الآخرة دار ثواب
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 17 / 62 ، تفسير أبي السعود 4 / 132 . ( 2 ) . تفسير الرازي 17 : 61 . ( 3 ) . تفسير أبي السعود 4 : 132 . ( 4 ) . مجمع البيان 5 : 149 ، منسوب إلى القيل . ( 5 ) . تفسير الرازي 17 : 62 . ( 6 ) . تفسير روح البيان 4 : 27 . ( 7 ) . تفسير الرازي 17 : 62 . ( 8 ) . الأحاديث القدسية : 230 ، تفسير الرازي 17 : 63 . ( 9 ) . الأنفال : 8 / 33 . ( 10 ) . تفسير الرازي 17 : 63 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 242 | الشيخ محمد النهاوندي