واعتقدوا ذلك في نفس الأصنام باعتقاد أنّ قدماءهم أيضا كانوا معتقدين لذلك .
قيل : إنّ أوّل ما حدثت عبادة الأصنام في قوم نوح ، وذلك أنّ آدم كان له خمسة أولاد صلحاء ؛ وهم :
ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر ، فمات ودّ وحزن النّاس عليه حزنا شديدا ، فاجتمعوا حول قبره ولا يكادون يفارقونه ، وذلك بأرض بابل ، فلمّا رأى إبليس ذلك جاء إليهم في صورة إنسان ، وقال لهم :
[ هل ] لكم أن اصوّر لكم صورة إذا نظرتم إليها ذكرتموه ؟ قالوا : نعم ، فصوّر لهم صورته ، فصار كلّما مات منهم واحد صوّر صورته ، وسمّوا تلك الصّور بأسمائهم ، ثمّ لمّا تقادم الزّمن وتناست الآباء والأبناء ، وأبناء الأبناء ، قال لمن حدث بعدهم : إنّ الذين كانوا قبلكم يعبدون هذه الصّور ؛ فعبدوها ، فأرسل اللّه إليهم نوحا عليه السّلام فنهاهم عن عبادتها ، فلم يجيبوه إلى ذلك ، وكان بين آدم ونوح عليهما السّلام عشرة قرون كلّهم على شريعة من الحقّ ، ثمّ أن تلك الصّور دفنها الطّوفان في ساحل جدّه ، فأخرجها اللّعين .
وأوّل من نصب الأوثان في العرب عمرو بن لحيّ بن خزاعة ، وذلك أنّه خرج من مكّة إلى الشام في بعض أموره ، فرأى بأرض البلقاء العماليق « 1 » وهم يعبدون الأصنام ، فقال لهم : ما هذه ؟ قالوا : هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ، ونستنصرها فتنصرنا . فقال لهم : أفلا تعطونني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب ، فأعطوه صنما - يقال له هبل - من العقيق ، على صورة إنسان ، فقدم به مكّة فنصبه في بطن الكعبة على يسراها ، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه ، فكان الرّجل إذا قدم من السّفر بدأ به قبل أهله بعد طوافه بالبيت ، وحلق رأسه عنده « 2 » .
فردّهم اللّه بقوله :
قُلْ
يا محمّد ، تقريعا لهم ، وتهكّما بهم :
أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ
وتخبرونه ، وهو علّام الغيوب
بِما لا يَعْلَمُ
في عالم الوجود ، لا
فِي السَّماواتِ
وعالم الملكوت
وَلا فِي الْأَرْضِ
وعالم الملك . ومعلوم أنّ ما لا يعلمه اللّه لا وجود له .
القمّي رحمه اللّه قال : كانت قريش يعبدون الأصنام ، ويقولون : إنّما نعبدهم ليقرّبونا إلى اللّه زلفى ، فإنّا لا نقدر على عبادة اللّه ، فردّ اللّه عليهم فقال :
قُلْ
لهم يا محمّد
أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ
أي ليس يعلم « 3 » ، فوضع حرفا مكان حرف ، أي ليس له شريك يعبد « 4 » .
ثمّ نزّه ذاته المقدّسة عن الشريك بقوله :
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
به ، وتبرّأ وجلّ عن هذا النّقص .
هامش
( 1 ) . زاد في تفسير روح البيان : ولد عملاق بن لاود بن سام بن نوح .
( 2 ) . تفسير روح البيان 4 : 25 .
( 3 ) . في النسخة : أي يعلم أنّه ليس ، وما أثبتناه من تفسير الصافي .
( 4 ) . تفسير القمي 1 : 310 ، تفسير الصافي 2 : 397 .