تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
أنّه كلام تقوّله من قبل نفسه ، وأنّه كاذب فيما يدّعيه من أنّه من اللّه « 1 » أو السّخرية والاستهزاء به . عن ابن عبّاس : أنّ خمسة من الكفّار كانوا يستهزئون بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وبالقرآن : الوليد بن المغيرة المخزومي ، والعاص بن وائل السّهمي ، والأسود بن المطّلب ، والأسود بن عبد يغوث ، والحارث بن حنظلة ، فقتل اللّه كلّ واحد منهم بطريق آخر ، كما قال اللّه :
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
« 2 » ، فذكر اللّه أنّهم إذا تتلى عليهم آيات القرآن ، قال الّذين لا يرجون لقاءنا : إئت بقرآن غير هذا أو بدّله « 3 » . ثمّ أمر اللّه سبحانه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بجوابهم بقوله :
قُلْ
يا محمّد للمستهزئين :
ما يَكُونُ لِي
ولا يمكنني
أَنْ أُبَدِّلَهُ
من قبلي و
مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي
لأنّه ليس بكلامي وكلام غيري من البشر ، بل إنّما هو كلام ربّي ، و
إِنْ أَتَّبِعُ
فيما أتلو عليكم
إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
من قبل ربّي ، بلا تصرّف وتغيير منّي فيه
إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي
بالتّغيير في كلامه ، أو التّبديل فيه
عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
فإنّ العاصي مستحقّ له ؛ ولو كان على فرض المحال أحبّ الخلق إليه . وإنّما اقتصرّ في الجواب على بيان عدم قدرته على التّبديل ، لفهم عدم قدرته على التّغيير بالأولويّة .

[ سورة يونس ( 10 ) : آية 16 ]

قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 16 ) ثمّ أمره اللّه سبحانه بالاستدلال على عدم كون القرآن من تلقاء نفسه بقوله :
قُلْ
يا محمّد لهم :
لَوْ شاءَ اللَّهُ
أن لا أتلو عليكم القرآن ، ما أوحاه إليّ ، و
ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ
لعجزي عن إتيان هذا الكتاب المحتوي على العلوم الكثيرة ، وتفاصيل المبدأ والمعاد ، والمعارف والحكم والأحكام ، وتواريخ الأنبياء وأممهم ، وغيرها ممّا لا يحيط به البشر ، مع إعجاز البيان بحيث لا يقدر على إتيان سورة منه جميع الفصحاء ؛ ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، فلا بدّ من كونه بوحي اللّه وتعليمه
وَ
لو شاء
لا أَدْراكُمْ
وأعلمكم ، أو أنذركم
بِهِ
- كما عن ابن عبّاس « 4 » - مع أنّكم تعلمون أنّي لا أعرف الخطّ ، وما طالعت الكتب ، وما جالست عالما قطّ
فَقَدْ لَبِثْتُ
ومكثت
فِيكُمْ
وبين ظهرانيكم
عُمُراً
طويلا ، ومدّة مديدة
مِنْ قَبْلِهِ
ما كنت أتلوه ولا أعلمه
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
وتدركون أنّ من لم يقرأ كتابا ، ولم يجالس عالما ، ولم يمارس بحثا ، لا يمكنه أن يأتي بمثل هذا الكتاب العظيم الشّأن ، الفائق على الكتب السّماوية ، فلا بدّ أن يكون بتعليم اللّه ووحيه .
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 4 : 23 ، تفسير الرازي 17 : 55 - 56 ، مجمع البيان 5 : 147 . ( 2 ) . الحجر : 15 / 95 . ( 3 ) . تفسير الرازي 17 : 55 . ( 4 ) . تفسير الرازي 17 : 58 .