[ سورة يونس ( 10 ) : آية 17 ]
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ( 17 )
ثمّ أكّد تنزّهه عن الاختلاق بإظهار علمه بغاية قبح الافتراء على اللّه ، وسوء عاقبته بقوله :
فَمَنْ أَظْلَمُ
على نفسه بتعريضها للهلاك ، وعلى غيره من النّاس بإضلالهم
مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ
بإسناد ما ليس له إليه
كَذِباً .
ثمّ ساوى بين المفترين على اللّه والمكذّبين لآياته ، في كونهم أظلم خلق اللّه ، تهديدا لهم بقوله :
أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ
المنزلة منه ، واستهزأ بها ؛ كالمشركين المستهزئين بالقرآن .
ثمّ بالغ في تهديدهم بقوله :
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ
ولا ينجو
الْمُجْرِمُونَ
من العذاب ، ولا يفوزون بمطلوب .
[ سورة يونس ( 10 ) : آية 18 ]
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 18 )
ثمّ لمّا كان التماسهم تغيير القرآن لتضمّنه شتم الأصنام وتحقيرها ، وبّخهم سبحانه على عبادتها بقوله :
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
ويشركون به في العبادة والخضوع
ما لا يَضُرُّهُمْ
شيئا إن لم يعبدوه
وَلا يَنْفَعُهُمْ
قليلا إن عبدوه ، لأنّه جماد لا شعور له ولا قدرة ، واللّائق للعبادة هو الحيّ المدرك القادر على كلّ شيء ، والعجب أنّهم مع ذلك كانوا يشيرون إلى أصنامهم
وَيَقُولُونَ
عن جهالة وسفاهة :
هؤُلاءِ
الأصنام
شُفَعاؤُنا
في مهمّاتنا وحوائجنا
عِنْدَ اللَّهِ .
قيل : إنّ وجه اعتقاد المشركين شفاعة الأصنام ، أنّهم توهّموا أنّهم ليسوا أهلا لعبادة اللّه ، وإنّما الأهل واللّائق لها الأرواح المدبّرة لهذا العالم ، أو الكواكب المؤثّرة في المواليد ؛ كالشّمس والقمر ، وسائر السيّارات .
في ذكر مبدأ عبادة الأصنام
ثمّ لمّا كانت الأرواح غير مشاهدة ، والكواكب غاربة ، وضعوا لكلّ روح أو لكلّ كوكب صنما ، فاشتغلوا بعبادته باعتقاد أنّ ذلك الرّوح أو الكوكب يشفع لهم عند اللّه « 1 » .
وفيه : أنّ ظاهر الآيات أنّهم كانوا يعتقدون أنّ نفس الأصنام يشفعون لهم ، ويمكن أن [ يكون ] وجه اعتقاد مبدعي هذا المذهب في أوّل الأمر ذلك ، ثمّ بعد تمادي الزّمان غلب الجهل على أتباعهم ،
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 17 : 59 .