ثمّ قيل : لمّا لم يكن المقصود الأصلي في الخلق هو العذاب « 1 » ، غيّر سبحانه النّظم في بيان جزاء الكفّار بقوله :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا
في الدّنيا باللّه ووحدانيّته ورسله
لَهُمْ
بالاستحقاق
شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ
وماء حار متناه [ في ] حرارته
وَعَذابٌ
بالنّار
أَلِيمٌ
غايته
بِما كانُوا
في الدّنيا
يَكْفُرُونَ .
وقيل : إنّ نكتة تغيير النّظم ، التّنبيه على المبالغة في استحقاقهم « 2 » .
[ سورة يونس ( 10 ) : آية 5 ]
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 5 )
ثمّ لمّا كان الأهمّ إثبات المبدأ وكونه « 3 » ملازما للقول بالمعاد وسائر العقائد الحقّة ، عاد إلى الاستدلال عليه بقوله :
هُوَ
الإله القادر
الَّذِي جَعَلَ
بقدرته
الشَّمْسَ
وخلقها لتكون
ضِياءً
للعالم
وَ
خلق
الْقَمَرَ
ليكون في اللّيل
نُوراً
للنّاس
وَقَدَّرَهُ
قيل : إنّ التقدير : وقدّر مسير القمر
مَنازِلَ
أو قدّر القمر ذا منازل « 4 » - وقيل : إنّ ضمير
قَدَّرَهُ
راجع إلى الكوكبين ، فاللّفظ مفرد والمعنى تثنية ، ومنازل الشّمس البروج الاثنا عشر ، ومنازل القمر ثمان وعشرون ، فإذا كان في آخر منازله دقّ واستقوس « 5 » - وذلك التّقدير
لِتَعْلَمُوا
أيّها النّاس بسيرهما في منازلهما
عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
للأوقات من الأيام والشّهور
ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ
المذكور من الكوكبين ومنازلهما ، بسبب من الأسباب
إِلَّا بِالْحَقِّ
والحكمة وصلاح نظام العالم ، كذلك التّفصيل البديع لتلك الآية
يُفَصِّلُ
ونذكر متواليا واحدا بعد واحد ، ونشرح ونبيّن
الْآياتِ
والدّلائل المتقنة على قدرتنا وحكمتنا
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
ويعقلون ، أو يتفكّرون في الموجودات وحكمها ، ليطّلعوا على شؤون صانعها ، فإنّهم المنتفعون بها .
[ سورة يونس ( 10 ) : آية 6 ]
إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ( 6 )
ثمّ أنّه تعالى بعد الاستدلال بخلق السّماوات والأرض والشّمس والقمر ، وفائدتهما بفائدة سير الكوكبين ، استدلّ بفائدة أخرى لسير الشّمس وبسائر الموجودات بقوله :
إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ
هامش
( 1 ) . تفسير البيضاوي 1 : 428 .
( 2 ) . تفسير البيضاوي 1 : 428 ، تفسير الصافي 2 : 394 .
( 3 ) . في النسخة : ومكونه .
( 4 ) . تفسير أبي السعود 4 : 120 ، تفسير الرازي 17 : 35 .
( 5 ) . تفسير أبي السعود 4 : 120 .