تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
فلمّا مات جاء ابنه يعرّفه ، فقال صلّى اللّه عليه وآله لابنه : « صلّ عليه وادفنه » . فقال : إن لم تصلّ عليه يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، لم يصلّ عليه ، مسلم ، فقام صلّى اللّه عليه وآله ليصلّي عليه ، فقام عمر وحال بين رسول اللّه وبين القبلة ، لئلّا يصلّي عليه . فنزلت هذه الآية ، وأخذ جبرئيل بثوبه ، وقال :
وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً
« 1 » .

نقل كلام الفخر الرازي وردّه

قال الفخر الرّازي : إنّ هذا يدلّ على منقبة عظيمة من مناقب عمر ؛ لأنّ الوحي نزل على وفق قوله « 2 » . أقول : من اعتقد أنّ رأي عمر كان أصوب من رأي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فهو كافر ، وأمّا اعتقادنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ما كان يريد إلّا ما أراد اللّه ، وأنّه صلّى اللّه عليه وآله كان يعلم القرآن جميعه قبل نزوله ، وإنّما كان مأمورا بإظهار الرّفق وحسن الخلق بالنّسبة إلى البرّ والفاجر حتّى ينزل الوحي بردعه ، ويكون بذلك معذورا في أنظار النّاس . بل نقول : إنّ الرّواية وأمثالها دالّة على قدح عظيم في عمر ، وغاية جسارته على الرسول صلّى اللّه عليه وآله باعتراضه عليه ، وحيلولته بينه صلّى اللّه عليه وآله وبين القبلة ، واعتقاده أنّه أعقل منه صلّى اللّه عليه وآله ، ولذا لم يرد عن أمير المؤمنين عليه السّلام أمثال ذلك ، مع كونه أقرب النّاس إلى الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، وأعزّهم عليه ، وأحبّهم عنده ، وأعقل الصّحابة وأعلمهم ، بل أعقل أهل العالم سوى الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، ولم يكن ذلك إلّا لغاية معرفتة بشؤون الرّسول ، وتسليمه له ، وتبعيّته لإرادته . عن القمّي رحمه اللّه : لمّا رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى المدينة ، مرض عبد اللّه بن ابيّ وكان ابنه عبد اللّه مؤمنا ، فجاء إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وأبوه يجود بنفسه ، فقال : يا رسول اللّه ، بأبي أنت وامّي ، إنّك إن لم تأت أبي كان ذلك عارا علينا ، فدخل عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله والمنافقون عنده ، فقال له ابنه عبد اللّه : يا رسول اللّه ، استغفر له . [ فاستغفر له ] فقال عمر : ألم ينهك اللّه - يا رسول اللّه - أن تصلّي عليهم أو تستغفر لهم ؟ فأعرض عنه رسول اللّه ، فأعاد عليه ، فقال له : « ويلك ، إنّي خيّرت فاخترت ، إنّ اللّه يقول :
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ
إلى قوله :
فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ » .
فلمّا مات عبد اللّه جاء ابنه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقال : بأبي أنت وامّي يا رسول اللّه ، إن رأيت أن تحضر جنازته ؟ فحضر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقام على قبره ، فقال له عمر : ألم ينهك اللّه أن تصلّي على أحد منهم مات أبدا ، وأن تقوم على قبره ؟ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « ويلك ، وهل تدري ما قلت ؟ إنّما قلت : اللّهمّ احش قبره نارا ، وجوفه نارا ، واصله النّار » . فبدا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ما لم يكن يحبّ « 3 » .
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 16 : 152 . ( 2 ) . تفسير الرازي 16 : 152 . ( 3 ) . تفسير القمي 1 : 302 ، تفسير الصافي 2 : 364 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 189 | الشيخ محمد النهاوندي