فلمّا نزل قوله تعالى :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً . . .
استعمل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله رجلين على الصّدقات ؛ رجلا من الأنصار ، ورجلا من بني سليم ، وكتب لهما الصّدقة وأسنانها ، وأمرهما أن يأخذاها من النّاس ، فاستقبلهما النّاس بصدقاتهم ، ومرّا بثعلبة فسألاه الصّدقة ، وأقرآه كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فيه الفرائض ، فقال : ما هذه إلّا جزية أو أخت الجزية ، وقال : ارجعا حتّى أرى رأيي ، فلمّا رجعا قال لهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قبل أن يكلّماه : « ويح ثعلبة » مرّتين ، فنزلت .
فركب عمر راحلته ومضى إلى ثعلبة وقال : ويحك يا ثعلبة هلكت ، قد أنزل اللّه فيك كذا وكذا ، فجاء ثعلبة بالصّدقة ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ اللّه منعني أن أقبل منك » فجعل يحثو التّراب على رأسه ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « هذا عملك » « 1 » .
عن القمّي : عن الباقر عليه السّلام : هو ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عوف ، كان محتاجا فعاهد اللّه ، فلمّا آتاه بخل به « 2 » .
أقول : إنّما أمر اللّه أن لا يقبل الرّسول صلّى اللّه عليه وآله صدقته لكونه إهانة وعبرة لغيره ، أو لكون صدقته رياء لا خالصا لوجه اللّه .
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 77 إلى 78 ]
فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 77 ) أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 78 )
ثمّ بيّن اللّه أثر البخل والإعراض عن العهد بقوله :
فَأَعْقَبَهُمْ
اللّه ، وجعل عاقبة أمرهم ، أو أثر بخلهم وعقبه
نِفاقاً
راسخا ثابتا
فِي قُلُوبِهِمْ
مستمرّا
إِلى يَوْمِ
يرجعون فيه إلى اللّه و
يَلْقَوْنَهُ
عن أمير المؤمنين عليه السّلام : اللّقاء [ هو ] البعث » « 3 » . وقيل : يوم خروجهم من الدّنيا -
بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ
وما وفوا بما عاهدوه
وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ
في أقوالهم وعهودهم .
ثمّ وبّخهم اللّه على إبطانهم النّفاق وطعنهم سرّا في النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ودينه ؛ بقوله :
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ
وما في قلوبهم من الكفر والنّفاق ، أو العزم على التخلّف
وَنَجْواهُمْ
وما يفاوضونه من الطّعن في النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ودينه ، أو تسمية الزّكاة جزية
وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
والمطّلع على الخفايا والأسرار ، بحيث لا يخفى عليه خافية ، فكيف يجترئون على ارتكاب القبائح ؟
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 3 : 469 .
( 2 ) . تفسير القمي 1 : 301 ، تفسير الصافي 2 : 360 .
( 3 ) . التوحيد : 267 / 5 ، تفسير الصافي 2 : 361 .