[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 75 إلى 76 ]
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 75 ) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 76 )
ثمّ بيّن اللّه أنّ غدر المنافقين لا يختصّ بالنبيّ والمؤمنين ، بل يجاهرون بالغدر باللّه ومخالفة عهده بقوله :
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ
عهدا مؤكّدا بالحلف ، حيث قال : واللّه
لَئِنْ آتانا
اللّه
مِنْ فَضْلِهِ
وخزائن رحمته مالا
لَنَصَّدَّقَنَّ
ولنؤدّينّ حقوقه الواجبة
وَلَنَكُونَنَّ
البتّة
مَنْ
المؤمنين
الصَّالِحِينَ
الملتزمين بالعمل بأحكام اللّه . عن ابن عبّاس : يريد الحجّ « 1 »
فَلَمَّا آتاهُمْ
اللّه وأعطاهم
مِنْ فَضْلِهِ
وكرمه مالا ، منعوا حقّ اللّه ، و
بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا
وأعرضوا عن الوفاء بعهدهم « 2 » مع اللّه
وَهُمْ
قوم عادتهم أنّهم
مُعْرِضُونَ
عن طاعة اللّه وجميع العهود .
عن ابن عبّاس : أنّ حاطب بن أبي بلتعة ، أبطأ عنه ماله بالشّام . فلحقه شدّة ، فحلف باللّه وهو واقف في بعض مجالس الأنصار : لئن آتانا من فضله لأصدّقن ولأؤدّينّ منه حقّ اللّه « 3 » .
في حكاية ثعلبة بن حاطب
وروي أنّ ثعلبة بن حاطب الأنصاري كان ملازما لمسجد الرّسول ليلا ونهارا ، وكان يلقّب لذلك حمامة المسجد ، وكانت جبهته كركبة البعير من كثرة السّجود على الأرض والحجارة المحماة بالشّمس ، ثمّ جعل يخرج من المسجد كلّما فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من الفجر بالجماعة من غير لبث واشتغال بالدّعاء ، فقال صلّى اللّه عليه وآله له يوما : « ما لك [ صرت ] تعمل عمل المنافقين بتعجيل الخروج ؟ » فقال : يا رسول اللّه ، إنّي في غاية الفقر بحيث أنّ لي ولا مرأتي ثوبا واحدا ، وهو الذي عليّ وأنا اصلّي فيه وهي عريانة في البيت ، ثمّ أعود إليها فأنزعه وهي تلبسه وتصلّي فيه ، فادع اللّه أن يرزقني مالا ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « ويلك يا ثعلبة ، قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه » . فراجعه ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « أما ترضى أن تكون مثل نبيّ اللّه ، فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضّة لسارت ، ولكن أعرف أنّ الدّنيا حظّ من لا حظّ له ، وبها يغترّ من لا عقل له » .
فراجعه وقال : يا رسول اللّه ، والذي بعثك بالحقّ نبيّا ، لو دعوت اللّه أن يرزقني مالا لأؤدّينّ كلّ ذي حقّ حقّه ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « اللّهمّ ارزق ثعلبة مالا » - ثلاث مرّات .
فاتّخذ غنما ، فنمت كما ينمو الدود حتّى ضاقت بها أزقّة المدينة ، فنزل واديا حتّى فاتته الجماعة ، لا يصلّي بالجماعة إلّا الظّهر والعصر ، ثمّ نمت وكثرت فتنحّى مكانا بعيدا حتّى انقطع عن الجماعة والجمعة ، فسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عنه ، فقيل : كثر ماله حتّى لا يسعه واد ، فخرج بعيدا ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « ويح ثعلبة » .
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 3 : 469 .
( 2 ) . في النسخة : بعهده .
( 3 ) . تفسير الرازي 16 : 138 .