تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
والاختفاء عنده . الرّابع : أنّه تعالى سمّاه
ثانِيَ اثْنَيْنِ
فجعله ثاني محمّد ، حال كونهما في الغار « 1 » . وفيه : أنّ المراد بيان أنّ اللّه نصر النبي صلّى اللّه عليه وآله بطريق خارق للعادة ، حيث أخرجه من بين أظهر الكفّار ولم يكن معه إلّا رجل واحد وكان النبي صلّى اللّه عليه وآله ثانيه . وعليه ، فلا شبهة في أنّ المراد من
ثانِيَ اثْنَيْنِ
الثاني في العدد لا الثاني في الفضيلة والرّتبة والمنزلة عند اللّه . ولعمري إنّ هذا في الوضوح بمكان لا يخفى على أحد حتّى الأحمق العيّ ، فكيف بالفاضل الزكيّ ؟ والعجب من الفخر وأضرابه أنّهم تخيّلوا أنّ المراد الثاني في المنزلة ، مع أنّهم قالوا : إذا حضر اثنان يقال لكلّ واحد أنّه ثاني اثنين ، أي هو أحدهما . ثمّ قال الفخر : والعلماء أثبتوا أنّ أبا بكر كان ثاني محمّد صلّى اللّه عليه وآله في أكثر المناصب الدّينيّة ، فإنّه صلّى اللّه عليه وآله لمّا أرسل إلى الخلق وعرض الإسلام على أبي بكر آمن به أبو بكر ، ثمّ ذهب وعرض الإسلام على طلحة والزّبير وعثمان بن عفّان وجماعة آخرين من أجلّة الصّحابة ، والكلّ آمنوا على يديه ، ثمّ إنّه جاء بهم إلى رسول اللّه بعد أيام قلائل ، فكان هو ثاني اثنين في الدّعوة إلى اللّه « 2 » . أقول فيه : أولا : لا نسلّم أنّه آمن بدعوته [ أحد ] إلّا قليل ممّن كان إيمانه كإيمانه ؛ كطلحة الذي قال : إنّ محمّدا يحرّم علينا نساءه ويتزوّج هو بنسائنا ، لئن أمات اللّه محمّدا لنركضنّ بين خلاخيل نسائه ، كما ركض بين خلاخيل نسائنا « 3 » . وكعثمان الذي ملأت مطاعنه الدّفاتر . وثانيا : كان جعفر بن أبي طالب أولى منه بأن يكون ثاني اثنين محمّد صلّى اللّه عليه وآله في الدّعوة ، حيث إنّه هاجر إلى الحبشة وآمن بدعوته النّجاشي وجماعة كثيرة . ثمّ قال : وأيضا كلّما وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في غزوة ، كان أبو بكر يقف في خدمته ولا يفارقه ، فكان ثاني اثنين في مجلسه « 4 » . أقول فيه : إنّ وقوفه عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في الغزوات كان لجبنه وضعف قلبه ، وعدم كونه من رجال الحرب وباذلا مهجته للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، ولذا لم يكن ممّن بايع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على الموت في غزوة أحد ، مع كونه عنده صلّى اللّه عليه وآله . ثمّ قال : ولمّا مرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قام مقامه في إمامة النّاس في الصلاة ، فكان ثاني اثنين « 5 » . أقول : العجب ممّن لا يستحي من القول الباطل ، كيف لم يقل إنّه أقامه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مقامه في
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 16 : 64 . ( 2 ) . تفسير الرازي 16 : 64 . ( 3 ) . تفسير القمي 2 : 195 ، بحار الأنوار 17 : 27 . ( 4 و 5 ) . تفسير الرازي 16 : 64 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 157 | الشيخ محمد النهاوندي