والمتباطئين فيه بقوله :
لَوْ كانَ
ما دعيتم « 1 » إليه من غزوة تبوك
عَرَضاً
وغنما من أموال الدّنيا
قَرِيباً
إليهم ، وسهلا عليهم
وَ
كان
سَفَراً قاصِداً
ومتوسّطا لا تعب فيه
لَاتَّبَعُوكَ
فيه ، وأطاعوا أمرك به طمعا في الغنيمة
وَلكِنْ بَعُدَتْ
مسافة تبوك وكثرت
عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ
والكلفة ، ولذا يتخلّفون عنك ، ويتقاعدون فيه
وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ
اعتذارا إليك بعد رجوعك إليهم فاتحا
لَوِ اسْتَطَعْنا
وأمكننا الخروج من حيث التّهيئة وصحّة البدن
لَخَرَجْنا مَعَكُمْ
إلى السّفر والغزو ، وما تخلّفنا عنكم . وهم بتخلّفهم عن الغزو ، وعصيانهم الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، وحلفهم الكاذب ، ويمينهم الفاجرة
يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ
بالعذاب الدّنيوي والأخروي
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
في دعوى عدم استطاعتهم للخروج .
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 43 ]
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ( 43 )
ثمّ لمّا كان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله مأمورا بالرّفق والمداراة مع البرّ والفاجر ، فلهذا أذن للمنافقين في التخلّف رفقا ومداراة لهم وتقبّلا لأعذارهم ، أظهر اللّه سبحانه غاية الغضب عليهم بتوجيه العتاب إلى نبيّه صلّى اللّه عليه وآله على الإذن ، بعد المبالغة في تعظيم نبيّه صلّى اللّه عليه وآله أوّلا بقوله :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ
حيث إنّ هذا الدّعاء - على ما قيل - كان شائعا في مقام تعظيم الأعاظم والملوك . ثمّ وجّه العتاب بقوله :
لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
في التخلّف عنك في هذا الغزو ، ولم تتأنّ في الإذن
حَتَّى يَتَبَيَّنَ
ويظهر
لَكَ
المعتذرون
الَّذِينَ صَدَقُوا
في اعتذارهم من عدم خروجهم إلى السّفر بعدم استطاعتهم للخروج من حيث المال والبدن
وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ
منهم في اعتذارهم ، فإنّك لو توقّفت في إذنهم لعلمت أن جميعهم كانوا كاذبين ، وافتضح كلّهم عندك بالنّفاق .
عن الباقر عليه السّلام : « يقول لتعرف أهل العذر « 2 » ، والذين جلسوا بغير عذر » « 3 » .
وفي ( الجوامع ) : هذا من لطيف المعاتبة الذي بدأه بالعفو قبل العتاب ، ويجوز العتاب من اللّه فيما غيره [ منه ] أولى لا سيّما للأنبياء ، وليس كما قال جار اللّه من أنّه كناية عن الجناية ، وحاشا سيّد الأنبياء وخير بني حوّاء من أن ينسب إليه الجناية ، انتهى « 4 » .
ومن التّفسير الذي ذكرنا يعلم أنّه لا يحتاج المقام إلى الالتزام بصدور خلاف الأولى منه صلّى اللّه عليه وآله
هامش
( 1 ) . في النسخة : ما دعوتم .
( 2 ) . في تفسيري العياشي والصافي : الغدر .
( 3 ) . تفسير القمي 1 : 294 ، تفسير الصافي 2 : 345 .
( 4 ) . جوامع الجامع : 179 ، تفسير الصافي 2 : 345 .