ثمّ بالغ سبحانه في إظهار غناه عن نصرتهم بقوله :
إِلَّا تَنْصُرُوهُ
في غزوة تبوك ، فإنّ اللّه ناصره ، وليست نصرته من اللّه تعالى أمرا بديعا
فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ
وأعانه على أعدائه
إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا
من قريش من مكّة ، بأن اجتمعوا على قتله فخرج منها ، حال كونه
ثانِيَ اثْنَيْنِ
واحد الرّجلين ، ولم يكن معه إلّا أبو بكر .
في ذهاب الرسول صلّى اللّه عليه وآله إلى الغار
روت العامّة : أنّ بعد تفرّق قريش عن دار النّدوة ، واتّفاقهم على قتل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في اللّيل ، أتاه جبرئيل عليه السّلام فأخبره بمكر قريش ، وأمره بمفارقة مضجعه تلك اللّيلة ، فقال صلّى اللّه عليه وآله لعليّ : نم على فراشي واتّشح بردائي هذا الحضرمي ، وكان صلّى اللّه عليه وآله يشهد العيدين في ذلك الرّداء ، فلمّا مضت عتمة « 1 » من اللّيل - يعني ثلثه - اجتمعت « 2 » قريش على باب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وكانوا مائة ، فجعلوا يتطلّعون من شقّ الباب ويرصدون متى ينام فيثبون عليه ويقتلونه ، فخرج صلّى اللّه عليه وآله عليهم وهم ببابه ، وقرأ
يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ
إلى قوله :
فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
« 3 » ، فأخذ اللّه أبصارهم عنه صلّى اللّه عليه وآله فلم يبصروه حتّى خرج من بينهم « 4 » .
وفي رواية : أنّه صلّى اللّه عليه وآله أخذ قبضة من تراب فذرّها عليهم ، فأتاهم آت فقال : ما تنتظرون ؟ قالوا :
محمّدا ، قال : فقد خيّبكم اللّه ، واللّه خرج من بينكم محمّد ، ثمّ ما ترك رجلا منكم إلّا وضع في رأسه التّراب ، وانطلق لحاجته ، أفما ترون ما بكم ، فوضع كلّ رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه التّراب .
فدخلوا على عليّ عليه السّلام فقالوا له : يا عليّ ، أين محمّد ؟ قال : « لا أدري أين ذهب » وكان قد انطلق إلى بيت أبي بكر ، فلمّا دخل عليه قال : « إنّ اللّه أذن لي في الخروج » فقال أبو بكر : الصّحبة يا رسول اللّه ، بأبي أنت وامّي ، قال : نعم ، قال أبو بكر : خذ إحدى راحلتي هاتين ، فإنّي أعددتهما للخروج ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « نعم ، بالثّمن » وهي الناقة القصوى أو الجدعاء ، وأمّا الناقة العضباء فقد جاء أنّ ابنته فاطمة تحشر عليها .
ثمّ استأجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأبو بكر رجلا من بني الدّئل ليدلّهما على الطريق للمدينة ؛ وكان على دين قريش ، فدفعا إليه راحلتيهما ، وواعداه غار جبل ثور بعد ثلاث ليال أن يأتي بالرّاحلتين صباح اللّيلة الثّالثة ، فمكث صلّى اللّه عليه وآله في بيت أبي بكر إلى اللّيلة القابلة ، فخرجا إلى طرف الغار ، فمشى صلّى اللّه عليه وآله ليلته على طرف أصابعه حتّى حفيت رجلاه . إلى أن قالوا : ولمّا دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الغار ، أمر اللّه شجرة - وهي التي يقال لها القتاد ، وقيل : امّ غيلان - فنبتت في وجه الغار ، فسترته بفروعها « 5 » .
هامش
( 1 ) . في النسخة : مضى قسمة .
( 2 ) . في النسخة : اجتمع .
( 3 ) . يس : 36 / 1 - 9 .
( 4 ) . تفسير روح البيان 3 : 431 .
( 5 ) . تفسير روح البيان 3 : 432 .