وقيل : إنّه صلّى اللّه عليه وآله دعا تلك اللّيلة شجرة كانت أمام الغار ، فأقبلت حتّى وقفت على باب الغار ، وكانت مثل قامة الإنسان « 1 » .
وقيل : إنّه صلّى اللّه عليه وآله مرّ على ثمامة - وهي شجرة صغيرة ضعيفة - فأمر أبا بكر أن يأخذها معه ، فلمّا صار إلى باب الغار أمره أن يجعلها على باب الغار ، وبعث اللّه العنكبوت فنسجت ما بين فروعها نسجا متراكبا كنسج أربعين سنة « 2 » .
فلمّا فقد المشركون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله شقّ عليهم وخافوا ، وطلبوه بمكّة أعلاها وأسفلها ، وبعثوا القافة في كلّ وجه ليقفوا أثره ، فوجد الذي ذهب إلى جبل ثور أثره انتهى إلى الغار ، فقال : هاهنا انقطع الأثر ، ولا أدري ذهب يمينا أو شمالا ، أو صعد على الجبل ، فأقبل فتيان قريش من كلّ بطن بعصيّهم وسيوفهم ، فلمّا انتهوا إلى الغار قال قائل منهم : ادخلوا الغار ، فقال اميّة بن خلف : ما أرى أنّه أتى الغار ، إنّ عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمّد ، ولو دخل فيه لما نسج العنكبوت ، وعندما حاموا حول الغار حزن أبو بكر خوفا على رسول اللّه « 3 » .
أقول : لم يكن له بحال الخوف على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إن كان مؤمنا برسالته وصدق أخباره ، مع مشاهدته المعجزات العظيمة منه ؛ كمجيء الشجر على باب الغار ، ونسج العنكبوت عليه ، بل إنّما كان خوفه دليلا على عدم إيمانه بالرّسول ، وحمله معجزاته على السّحر ، وعليه كان خوفه على نفسه ، بحيث كاد أن يعلو صوته ويطّلع المشركون على كون الرسول في الغار ، فنصر اللّه رسوله .
إِذْ هُما فِي الْغارِ
والمشركون على بابه
إِذْ يَقُولُ
الرّسول
لِصاحِبِهِ
والذي معه فيه وهو أبو بكر :
لا تَحْزَنْ
ولا تخف
إِنَّ اللَّهَ
بحفظه وعونه
مَعَنا .
وإنّما قال :
مَعَنا
ولم يقل : « معي » لعلمه بعدم سكون قلبه بقوله : « إنّ اللّه معي » ، ولو كان خوفه على الرسول صلّى اللّه عليه وآله لكفى في زواله قوله : « إن اللّه معي » ، كما أنّه كفى في تسكين قلب عليّ عليه السّلام حين نومه في فراش الرّسول أنّه صلّى اللّه عليه وآله بشّره بسلامة نفسه .
عن الباقر عليه السّلام : « أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أقبل يقول لأبي بكر في الغار : اسكن ، فإنّ اللّه معنا وقد أخذته الرّعدة وهو لا يسكن ، فلمّا رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حاله قال له : أتريد أن أريك أصحابي من الأنصار في مجالسهم يتحدّثون ، وأريك جعفرا وأصحابه في البحر يغوصون ؟ قال : نعم ، فمسح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بيده على وجهه ، فنظر إلى الأنصار يتحدّثون ، وإلى جعفر وأصحابه في البحر يغوصون » . الخبر « 4 » .
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 3 : 433 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 3 : 433 ، وفيه : أربع سنين .
( 3 ) . تفسير روح البيان 3 : 434 .
( 4 ) . الكافي 8 : 262 / 377 ، تفسير الصافي 2 : 344 .