الإمامة ، ليثبت له الفضل ؟ فإنّ قيامه مقامه في الإمامة بغير إذن الرّسول لا فضل فيه ، مع توهّم النّاس أنّه أرسله الرّسول صلّى اللّه عليه وآله للإمامة ، بل هو غصب لمقامه وجرأة عليه صلّى اللّه عليه وآله ، كما أنّه جلس مجلسه وغصب محرابه ومنبره وخلافته .
ثمّ قال الفخر : وطعن بعض الحمقى من الرّوافض في هذا الوجه ، وقال : كونه ثاني اثنين للرّسول لا يكون أعظم من كون اللّه تعالى رابعا لكلّ ثلاثة في قوله :
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ
« 1 » ، ثمّ أنّ هذا الحكم عام في حقّ الكافر والمؤمن ، فلمّا لم يكن هذا المعنى من اللّه تعالى دالّا على فضيلة الإنسان ، فلأن لا يدلّ من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله على فضيلة الإنسان كان أولى .
والجواب : أنّ هذا تعسّف بارز ، لأنّ المراد هناك : كونه تعالى مع الكلّ بالعلم والتّدبير ، وكونه مطّلعا على ضمير كلّ أحد ، أما هاهنا فالمراد بقوله تعالى :
ثانِيَ اثْنَيْنِ
تخصيصه بهذه الصّفة في معرض التّعظيم ، وأيضا قد دلّلنا بالوجوه الثلاثة المتقدّمة ، على أنّ كونه معه في هذا الموضع ، دليل قاطع على أنّه صلّى اللّه عليه وآله كان قاطعا بأنّ باطنه كظاهره ، فأين أحد الجانبين من الآخر « 2 » .
أقول فيه : إنّه قد بيّنا أن المراد من كون النبي
ثانِيَ اثْنَيْنِ
كونه أحد الرّجلين ، ولا دلالة له على أنّ أبي بكر ثاني النبي وتاليه في الفضيلة والمنزلة عند اللّه ، وإنّما كان سوق الكلام في بيان عظمة النبيّ وأنّ اللّه ينصره ولو لم يكن معه أحد ؛ كما نصره يوم الغار ولم يكن معه إلّا رجل كان وجوده كعدمه ، فأين هذا من بيان الفضيلة لأبي بكر ؟ وقد أوضحنا أنّ الوجوه الثلاثة التي ذكرها من التّرّهات التي لا تصدر من العقلاء .
ولعمري ، إنّ الاعتماد عليها في إثبات الفضيلة لمن له شائبة الفضل من أقوى الشّواهد على غاية الحمق ، بل الآية دالّة على عدم فضيلة لأبي بكر ، وكونه ساقطا من نظر الرّحمة حيث خصّ سبحانه النبي بنزول السّكينة والتأييد بالملائكة بقوله :
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ
ورحمته الخاصّة التي توجب اطمئنان قلب نبيّه
عَلَيْهِ
صلّى اللّه عليه وآله دون صاحبه
وَأَيَّدَهُ
وقومه في بدر وغيره من المواطن
بِجُنُودٍ
من الملائكة لإعانته على أعدائه ، وأنتم
لَمْ تَرَوْها .
عن الرضا عليه السّلام « 3 » : [ قيل له ] : إنّهم يحتجّون علينا بقول اللّه :
ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ ،
[ فقال عليه السّلام ] : « وما لهم في ذلك من حجّة ، فو اللّه لقد قال اللّه :
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ
وما
هامش
( 1 ) . المجادلة : 58 / 7 .
( 2 ) . تفسير الرازي 16 : 64 .
( 3 ) . في النسخة : عن الصادق عليه السّلام .