تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
فمضوا حتّى كان من القوم مسيرة بعض ليله ، وقال مالك بن عوف لقومه : ليصيّر كلّ رجل منكم أهله وماله خلف ظهره ، واكسروا جفون سيوفكم ، واكمنوا في شعاب هذا الوادي وفي الشّجر ، فإذا كان في غلس الصّبح فاحملوا حملة رجل واحد ، وهدّوا القوم ، فإنّ محمّدا لم يلق أحدا يحسن الحرب . فلمّا صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الغداة انحدر في وادي حنين ، وهو واد له انحدار بعيد ، وكان بنو سليم على مقدّمته ، فخرج عليهم كتائب هوازن من كلّ ناحية ، فانهزمت بنو سليم وانهزم من وراءهم ، ولم يبق أحد إلّا انهزم ، وبقي أمير المؤمنين يقاتلهم في نفر قليل ، ومرّ المنهزمون برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لا يلوون على شيء ، وكان العبّاس آخذا بلجام بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عن يمينه ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب عن يساره ، فأقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ينادي : « يا معشر الأنصار ، إلى أين « 1 » ؟ أنا رسول اللّه » . فلم يلو أحد عليه . وكانت نسيبة بنت كعب المازنيّة تحثو في وجوه المنهزمين التّراب وتقول : إلى أين تفرّون عن اللّه وعن رسوله ؟ ومرّ بها عمر فقالت : ويلك ، ما هذا الذي صنعت ؟ فقال لها : هذا أمر اللّه . فلمّا رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . الهزيمة ركض نحوهم على بغلته وقد شهر سيفه وقال : « يا عبّاس اصعد هذا الظّرب « 2 » وناد : يا أصحاب البقرة ، ويا أصحاب الشّجرة ، إلى أين تفرّون ؟ هذا رسول اللّه » . ثمّ رفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يده فقال : « الّلهم لك الحمد ، وإليك المشتكى ، وأنت المستعان » . فنزل عليه جبرئيل فقال : يا رسول اللّه ، دعوت بما دعا [ به ] موسى حيث فلق اللّه له البحر ونجّاه من فرعون ، ثمّ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لأبي سفيان [ بن ] الحارث : ناولني كفّا من الحصى فناوله ، فرماه في وجوه المشركين ثمّ قال : « شاهت الوجوه » ، ثمّ رفع رأسه إلى السّماء وقال : « اللّهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد ، وإن شئت أن لا تعبد لا تعبد » . فلمّا سمعت الأنصار نداء العباس ، عطفوا وكسروا جفون سيوفهم وهم يقولون : لبّيك ، ومرّوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله واستحيوا أن يرجعوا إليه ، ولحقوا بالرّاية ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله للعباس : « من هؤلاء يا أبا الفضل ؟ » فقال : يا رسول اللّه ، هؤلاء الأنصار ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله « الآن حمي الوطيس » ، ونزل النّصر من اللّه ، وانهزمت هوازن ، وكانوا يسمعون قعقعة السّلاح في الجوّ ، وانهزموا في كلّ وجه ، وغنّم اللّه رسوله أموالهم ونساءهم وذراريهم ، وهو قول اللّه :
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ
هامش
( 1 ) . زاد في القمي : المفرّ . ( 2 ) . الظّرب : الجبل المنبسط .