تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 589

مساهمون:

ص٥٨٩
ثمّ شرع في قدح الّذين لا يؤمنون بتوحيده بقوله :
وَإِذا فَعَلُوا
فعلة
فاحِشَةً
متناهية في القبح ، كعبادة الأصنام وتحريم السّائبة وأخواتها ، والطّواف بالبيت عراة ، واعترض عليهم فيها
قالُوا
مستدلّين على صحّة عملهم من الفاحشة : إنّا
وَجَدْنا
مرتكبين لتلك الفاحشة مواظبين
عَلَيْها آباءَنا
وكبراءنا ، وهم كانوا أعقل وأعلم ، فعلينا أن نقلّدهم
وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها
. ولمّا كان استدلالهم بتقليد آبائهم في غاية الفساد ، لأنّه ظنّي ، والظّنّ لا يغني من الحقّ شيئا ، أعرض سبحانه عن ردّه ، وأمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بردّ دليلهم الثاني بقوله :
قُلْ
لهم يا محمّد :
إِنَّ اللَّهَ
حكيم في فعاله ، عليم بمصالح عباده ، ومن الواضح أنّ اللّه الحكيم
لا يَأْمُرُ
عباده
بِالْفَحْشاءِ
والقبائح . وقد ثبت بحكم العقول السّليمة ، وبيان الرّسل أنّ هذه الأعمال من أقبح القبائح ، فكيف يمكن أن يأمر اللّه بها ، مع أنّكم لا ترون اللّه ، ولا تسمعون كلامه ، ولا تعترفون برسالة رسوله ؟ فبأيّ دليل علمتم بأمره ؟ ثمّ أنكر عليهم الدّعوى بقوله :
أَ تَقُولُونَ
وتفترون
عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
من أنّه أمركم بها . عن الصادق عليه السّلام قال : « من زعم أنّ اللّه يأمر بالفحشاء فقد كذب على اللّه ، ومن زعم أنّ الخير والشرّ إليه فقد كذب على اللّه » « 1 » . عن العبد الصالح عليه السّلام قال : « هل رأيت أحدا زعم أنّ اللّه أمر بالزّنا ، وشرب الخمر ، وشيء من هذه المحارم ؟ » فقيل : لا ، قال : « ما هذه الفاحشة التي يدّعون أنّ اللّه أمرهم بها ؟ » قيل : اللّه أعلم ووليّه . فقال : « إنّ هذا في أئمّة الجور ؛ ادّعوا أنّ اللّه أمرهم بالائتمام بقوم لم يأمرهم اللّه بالائتمام بهم ، فردّ اللّه عليهم ، فأخبر أنّهم قالوا على اللّه الكذب » « 2 » . أقول : لعلّ المراد أنّ الإنكار في الآية راجع إلى تقليد آبائهم .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 29 ]

قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) ثمّ بيّن اللّه ما أمر به من المحسّنات العقليّة بقوله :
قُلْ
يا محمّد لهؤلاء المشركين :
أَمَرَ رَبِّي
جميع النّاس
بِالْقِسْطِ
والعدل في الأمور ، والتوسّط في المعاش من المأكل والمشرب واللّباس وغيرها ، وسائر ما تستحسنه العقول ، عن ابن عبّاس : القسط هو قول : لا إله إلّا اللّه « 3 »
وَ
أن
أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ
واستقبلوا بمقاديم أبدانكم إلى القبلة للدّعاء والعبادة
عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
وفي مكان
هامش
( 1 ) . تفسير العياشي 2 : 141 / 1558 ، تفسير الصافي 2 : 188 . ( 2 ) . تفسير العياشي 2 : 140 / 1557 ، تفسير الصافي 2 : 188 . ( 3 ) . تفسير الرازي 14 : 57 .